معرض «اللون يتحدى الصمت» يحتفي بجنوب لبنان وسينما سارة بالغنيم تثير جدلاً في السعودية وفيلم أوكراني يرصد الحرب منذ 2014
Auf einen Blick
معرض فني يحتفي بجمال جنوب لبنان رغم الدمار، وفيلم سعودي كوميدي سوداوي يناقش ضغوط الزواج، وفيلم وثائقي أوكراني يتابع آثار الحرب منذ 2014.
KI-generierte Zusammenfassung
Warum es wichtig ist
يتناول التقرير ثلاثة مواضيع فنية وإخبارية: معرض فني في بيروت يحتفي بجنوب لبنان، فيلم سعودي قصير يعرض في مهرجانات، وفيلم وثائقي أوكراني عن الحرب.
زيارة غير متوقَّعة إلى قرى الشريط الحدودي تنسجها رنا بستاني في معرضها «اللون يتحدى الصمت». ففي غاليري «آرت ديستريكت» بمنطقة الجمّيزة في بيروت، لا ينقص سوى عبارة «ابتسم... أنت في الجنوب» ليصبح الحلم واقعاً والوهم حقيقة. ومن خلال مجموعة لوحات تزهو بألوان مُبهجة، يصحب المعرض زائره في جولة إلى تلك البقعة اللبنانية. وتنظر بستاني بعين متفائلة تؤمن بقدرة الجمال على مداواة الذاكرة، لذا اختارت أن تواجه الجراح والدمار بلغتها التشكيلية المُشبَّعة بالرجاء. فوسّعت حضور الزهري والأحمر والأخضر والأزرق والذهبي، لتتحوّل هذه الألوان مفرداتٍ بصريةً تعكس رؤيتها، وتستحضر جنوباً ينهض بالحياة رغم كلّ ما أصابه.
تشمل هذه الرحلة البصرية 20 قرية ومدينة من الشريط الحدودي، من بينها يارون، وتبنين، ومركبا، وصُور، والنبطية، ومارون الراس، وأرنون... وغيرها. وفي كلّ محطة، تحاول رنا بستاني أن تبعث نبض الحياة في مكان أنهكته الحروب، فتنسج عالماً بصرياً يستلهم الذاكرة والتراث، مُستعيدةً خصوصية كلّ بلدة وتاريخها. وتستحضر في لوحاتها المعالم الأثرية والينابيع والساحات والأزقّة، لترسم جنوباً نابضاً بالحياة، كما تحفظه الذاكرة ويستحقه المستقبل، لا كما شوَّهته الحروب وآثار الدمار.
تقول رنا بستاني لـ«الشرق الأوسط»: «رغبتُ في تكريم الجنوب، مدنه وبلداته وقراه، بلغتي الخاصة؛ لغة اللون. فهذه المنطقة يطالعنا وجهها اليوم مشوَّهاً عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تختزن في حقيقتها جمالاً استثنائياً. لذلك قرّرت أن أعيد إليها حقّها في الظهور كما هي؛ بأرضها وجبالها وسهولها وملامحها الآسرة. حاولتُ في لوحاتي أن أبرز الوجه الحقيقي للجنوب؛ لإيماني بأنّ الدمار والركام ينبغي ألا ينتصرا على ذاكرتنا أو يسيطرا على صورتنا عنه».
استمدّت رنا بستاني صور لوحاتها من مَشاهد طبيعية علقت في ذاكرتها خلال زيارات سابقة إلى الجنوب. كما راحت تبحث عن معالم وخصائص أخرى لم تتح لها فرصة اكتشافها من قرب. لكنها لم تنقل هذه المواقع والآثار بحرفيتها، بل أعادت تفكيكها وتركيبها ضمن رؤيتها الفنية، فنثرت عناصرها على مساحات لوحاتها لتولد منها مَشاهد جديدة تنبض بالحياة.
وتوضح: «في لوحة صُور مثلاً، استحضرت جزءاً من القلعة ليشكّل خلفيتها الأساسية، ثم أضفتُ إليها الشمس والبحر والجامع والكنيسة، فضلاً عن البيوت المتراصة في أزقتها الضيقة. لهذه المدينة رونقها الخاص، وشوارعها، كما أهلها، مطبوعة بالبساطة والفرح. ولا يمكن أن نغفل (شارع الألوان) فيها، الذي استوحيتُ منه كثيراً من ملامح هذه اللوحة».
ومن صُور، تنتقل بستاني إلى الناقورة، حيث تصبغ صخورها بالزهري والذهبي، فيما تكسو تلالها تدرّجات الأخضر. واعتمدت في تنفيذ هذه اللوحة تقنية الأكريليك بطبقات متراكمة، ممّا يضفي عليها ملمساً مخملياً آسراً.
أما مرجعيون؛ البلدة الجنوبية المتربِّعة على كتف جبل، فترسمها بألوان دافئة يطغى عليها الأحمر والأخضر، تاركةً في أحد ممراتها الضيّقة رجلاً يقود دراجة هوائية. وتوضح: «تبدو جميع هذه البلدات خالية من الحركة. فهي اليوم شبه مهجورة، وبالكاد تعبرها السيارات. لذلك أردتُ مرور هذا الرجل على دراجته ليكون إشارة إلى أنّ مرجعيون لا تزال تحتفظ بنبض الحياة، ولو بخجل».
وتطول الجولة بين بلدات الشريط الحدودي، وصولاً إلى مارون الراس، حيث تصبغ السماء بالأحمر. وتقول: «إنها من أشد البلدات الجنوبية التي عانت ودفعت ثمناً باهظاً، لذلك اخترتُ الأحمر ليغطّي سماءها تكريماً لشهدائها».
وفي لوحة الصرفند، يلفت النظر مشهد الزوارق وسط بحر هائج، فيما يسود الصمت لوحة قرية معركة، التي يتوسّط إحدى طرقاتها هرٌّ شارد، في مشهد يختصر آثار الغياب. أما مركبا ودير سريان وكفرتبنيت، فتغلب عليها مساحات الأخضر، في إشارة إلى الأرض الزراعية التي تُشكل مصدر رزق لأهلها. وتشرح: «أضفتُ اللون الذهبي إلى بعض الأحجار، تعبيراً عن إيماني بأن هذه الأراضي ستعود إلى أصحابها، لتستعيد دورها مصدراً للرزق والحياة».
وتستوقف الزائر لوحة بعنوان: «ممالك صامتة تتحدّث بالألوان»، مستوحاة من مدينة صيدا. وتقول عنها: «لها مكانة خاصة في قلبي، فهي تعيدني إلى جزء من طفولتي؛ لأنني أنتمي إلى بلدة الجيّة القريبة منها. رسمت أزقّتها وطرقاتها ومعالمها التي لا تزال محفورة في ذاكرتي. أما المرأة التي تسير على الطريق الرمادية وهي تحمل سلالاً ثقيلة، فتجسّد قوة نساء صيدا وصلابتهن. ورغم ثقل الأعباء، فإنهن يواصلن الطريق بثبات، فيتحوَّلن رمزاً لتمكين المرأة، التي لا يستطيع النزوح ولا الدمار أن يثنياها عن مواصلة تحقيق أهدافها».
واللوحة التي تختتم بها معرضها، «الرقص خارج الصمت»، تحمل رسائل كثيرة عن الجنوب الصامد، وتستعيد فيها بستاني مختلف عناصر الحياة والفرح. فنُشاهد مجموعة من الشباب يؤدّون الدبكة اللبنانية، وخلفهم بيوت قرميديّة تنتمي إلى العمارة اللبنانية التراثية، فيما تحضر شجرة الزيتون في الجهة اليسرى من اللوحة رمزاً للجذور والاستمرارية.
وتشرح بستاني: «إنها إشارة إلى استمرارية العيش في الجنوب مهما بلغت التضحيات، وأنّ هذا المكان سيستعيد عافيته ويشهد غداً أنصع إشراقاً».
قبل سنوات، حملت صانعة الأفلام السعودية سارة بالغنيم حقائبها إلى نيويورك لدراسة صناعة الأفلام، وهناك لم تكتفِ بتعلّم أدوات الإخراج، بل اكتشفت طريقة مختلفة للنظر إلى البشر. فالحكايات، بالنسبة لها، تبدأ من الملاحظة؛ ومن التفاصيل الصغيرة التي تمر أمام الجميع، ثم تتحول على الشاشة إلى شخصيات تحمل تناقضاتها كاملة، من دون أن تبحث عن تبريرها أو إدانتها.
هذا التصوّر قادها إلى بناء تجربة لفتت انتباه عدد من المهرجانات السينمائية خلال السنوات الأخيرة، عبر أفلام قصيرة؛ أحدثها «ارتزاز» الذي تنقّل بين مهرجانات مثل شيكاغو، وسان دييغو، وأسبن، إضافة إلى مهرجان البحر الأحمر، قبل أن يُعرض الأسبوع الماضي ضمن مهرجان أفلام السعودية. ويستمد الفيلم اسمه من الفعل الدارج في اللهجة السعودية «ترزز»، ويعني استعراض النفس أو إظهارها للفت انتباه الآخرين.
عزاء يتحول إلى مسرح للمفارقات
وخلال ربع ساعة فقط، ينجح فيلم «ارتزاز» في تحويل مجلس عزاء إلى مسرح لكوميديا سوداء، دون أن يغادر الواقع الاجتماعي الذي يستلهمه، في قصة تدور حول الأم (ريم الحبيب) وابنتها جوجو (رند القصيبي)، داخل عزاء للنساء في فيلا سيدة هي أم العريس المثالي، حيث تتنافس الفتيات على لفت نظرها ونيل رضاها. ورغم أن الفيلم ينحو إلى المبالغة، فإنه يستند إلى طقس اجتماعي دارج، حين تتحول المناسبات أحياناً إلى مساحة للتعارف ومحاولة لفت انتباه والدة العريس، إلا أن سارة بالغنيم اختارت نقل هذه المفارقة إلى مكان أقل توقعاً؛ مجلس عزاء، لتمنح الحكاية بُعداً أكثر سخرية وعبثاً.
وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تختصر بالغنيم رؤيتها للسينما بوصفها مساحة لفهم الإنسان قبل أي شيء آخر، حيث ترى أن الشخصيات تسبق الأفكار، وأن الحكاية تقود الرسالة، بينما يصل المشاهد إلى استنتاجاته بنفسه.
عن فيلمها «ارتزاز»، تقول سارة: «القصة بسيطة؛ شابة ووالدتها تذهبان إلى عزاء، وهناك تشعر الفتاة بضغط يدفعها إلى استعراض نفسها بغرض الزواج... جاءتني الفكرة بعد عودتي من الدراسة في الولايات المتحدة، وبعد فترة ابتعدت فيها عن المجتمع والعادات، فأصبحت أنظر إلى سنوات العشرينات التي عشتها، مثل كثير من الفتيات، وأتذكر حجم الضغط الذي كان يدفع الفتاة إلى الظهور بصورة معينة حتى تتزوج».
وتضيف: «الفكرة الأساسية بالنسبة لي كانت أن أحكي قصة عن شابة ووالدتها. هذه العلاقة المهمة نادراً ما نراها في الأفلام والمسلسلات بوصفها العلاقة الرئيسية في الحكاية، رغم قدرتها على تشكيل جزء كبير من مستقبل الفتاة. وكنت مهتمة تحديداً بسرد حكاية أم ترى أن قيمتها الاجتماعية مرتبطة بزواج ابنتها، وشابة تصل إلى قناعة بأن كثيراً من هذه الطقوس والعادات مفتعلة».
الفكاهة تولد من تفاصيل الحياة
ربما يخرج المشاهد من «ارتزاز» وهو يبتسم من مشاهد عدة، لكن تلك الابتسامة لا تأتي نتيجة نكتة مكتوبة بعناية، بقدر ما تولد من المفارقات التي تصنعها الشخصيات نفسها. وهذا ما تراه بالغنيم جوهر الكوميديا؛ فهي لا تُضاف إلى المشهد، بل تنشأ داخله عندما يُقدَّم الواقع كما هو. وتوضح أن هذا السؤال يتكرر عليها باستمرار، حتى أصبح من أكثر الأسئلة حضوراً في ورش كتابة الأفلام القصيرة التي تقدمها. وتضيف: «الفكاهة عادةً تنبع من الملاحظة أو من المأساة، أكثر من كونها محاولة لإضحاك الجمهور... كثير من هذه المواقف عبثية بطبيعتها إذا قُدمت كما هي، لذلك أترك الفكاهة والمشاعر تتجاوران في المساحة نفسها، لأن هذا ما يحدث في الحياة».
تؤمن سارة بأن الإنسان يحمل مشاعر متناقضة في اللحظة الواحدة، وهو ما تحرص على نقله إلى الشاشة. قائلة: «قد يعيش الناس حالة حزن، وفي الوقت نفسه يتنافسون، أو يشعرون بعدم الأمان، أو يحاولون الظهور بصورة معينة... وأحياناً يحدث كل ذلك في اللحظة نفسها». ومن هنا، ترى أن قوة المشهد لا تأتي من المبالغة في الكوميديا، ولا من إثقاله بالمشاعر، وإنما من الإيمان بالشخصيات نفسها، وتتابع: «الجانب العاطفي يأتي من التعامل مع الشخصيات بجدية، حتى عندما يبدو سلوكها مضحكاً أو سخيفاً. أحاول أن أفهمهم أكثر مما أحاول السخرية منهم. فإذا ركزت كثيراً على النكتة أصبح العمل مسطحاً، وإذا اختفت الفكاهة فقد المشهد جزءاً من صدقه».
وتختصر فلسفتها في بناء المشهد بالقول: «الأمر لا يتعلق بالموازنة بين الكوميديا والدراما، بقدر ما يتعلق بترك المشهد صادقاً، والثقة بأن الفكاهة ستظهر من تلقاء نفسها... وغالباً بطريقة تترك شيئاً من عدم الارتياح». ثم تضيف بحماسة: «عندما ينجح هذا الأسلوب، يكون جزء من نجاحه محض صدفة... وعندما لا ينجح، أتظاهر بأنه كان سخرية مقصودة».
الشخصيات أولاً.. والتصنيفات لاحقاً
يحضر العنصر النسائي بقوة في أفلام بالغنيم، وبسؤالها عن ذلك كشفت أنها لا تنظر إلى الأمر بوصفه مشروعاً لتقديم ما يُعرف بـ«سينما المرأة»، بقدر ما تراه نتيجة طبيعية للحكايات التي تود سردها. وعن ذلك تقول: «لا أفكر بهذه التصنيفات عندما أكتب أو أخرج، لكن يبدو أن المهرجانات والجمهور يضعني ضمن هذه الفئة، خصوصاً في منطقتنا».
وترى أن هذه التصنيفات لم تعد تعبر عن المرحلة التي وصلت إليها السينما، مضيفة: «أعتقد أننا بحاجة إلى التخلص من هذه التصنيفات، لأنها تذكر الناس باستمرار بأن المرأة أقلية، بينما أرى أننا بحاجة إلى تجاوز هذه الفكرة». كما تبدو بالغنيم أكثر اهتماماً ببناء شخصيات قادرة على حمل الفكرة بنفسها، وهو ما يفسر تركيزها على العلاقات الإنسانية قبل أي قضية أخرى. كما تؤكد أن أكثر ما يشغلها أثناء الكتابة هو فهم دوافع الشخصيات، لأن الشخصية الصادقة قادرة على حمل أكثر القضايا تعقيداً دون خطابة أو شعارات.
لغة تتشكل... ولا تتوقف
ورغم وضوح ملامح أسلوبها في أفلامها الأخيرة، فإن بالغنيم تنظر إلى اللغة السينمائية بوصفها مشروعاً مفتوحاً على التطور، وترى أن التجريب يرافق المخرج طوال رحلته. بالسؤال عن ذلك، تقول: «صنّاع الأفلام يواصلون الاستكشاف والتجريب دائماً، حتى بعد أن يعثروا على لغتهم السينمائية أو أسلوبهم الخاص... بالنسبة لي، أرغب في خوض تجارب مختلفة، بل أطمح أيضاً إلى العمل في وسائط أخرى، مثل أفلام التحريك وغيرها، لذلك أعتقد أنني سأبقى دائماً في حالة تجريب».
بسؤال سارة عن المخرجين أو التجارب السينمائية التي تركت أثراً واضحاً في رؤيتها، تجيب: «هناك كثير من صناع الأفلام الذين أثروا فيّ. عندما بدأت أهتم بالحكاية، شاهدت الفيلم الإيراني (برسيبوليس)، وأحببته كثيراً. لكن مع مرور السنوات تطورت ذائقتي كثيراً، وما زالت تتطور حتى الآن. وفي هذه المرحلة أشاهد كثيراً من الأفلام العبثية لأنها تلهمني».
نيويورك... حين اتسعت العدسة
لم تكن دراسة صناعة الأفلام في جامعة نيويورك بالنسبة إلى سارة محطة أكاديمية فحسب، بل تجربة غيّرت الطريقة التي تنظر فيها إلى السينما وإلى العالم معاً. فالحياة اليومية داخل مدينة تعج بالفنون، والاحتكاك المستمر بمخرجين وكتاب وفنانين من ثقافات متعددة، شكّلت جزءاً من تكوينها وبقدر ما فعلته قاعات الدراسة.
وبالسؤال عن تأثير ذلك على نظرتها السينمائية، تقول: «وجودي في جامعة نيويورك، وفي مدينة نيويورك نفسها، وإحاطتي بمجموعة من المخرجين الشباب الموهوبين وأعضاء هيئة التدريس، وسّع بلا شك رؤيتي للسينما وللعالم. وأنا ممتنة جداً لهذه التجربة». وتضيف: «أعتقد أن دوري اليوم هو نقل ما تعلمته، سواء من خلال أعمالي الإبداعية أو عبر رد الجميل للمجتمع من خلال ورش العمل التي أقدمها».
وتستعيد جانباً من الحياة اليومية في نيويورك، بالقول: «نيويورك تجمع مبدعين من تخصصات دقيقة ومتنوعة. كنت أجلس في مقهى وأتحدث مع شخص سيغادر بعد قليل ليقدم عرضاً على مسرح برودواي. هذا التبادل المستمر للأفكار والخبرات أثر كثيراً في ممارستي الإبداعية». وتضيف: «وجودي في مدينة تقدم معارض فنية، وتصويراً فوتوغرافياً، وموسيقى، وسينما بهذا الزخم، جعلني أرى أهمية العمل للوصول إلى بيئة مشابهة هنا في السعودية، كما جعلني أدرك حجم الإمكانات التي نمتلكها».
السينما.. صناعة تتسع للجميع
ومع التسارع الذي تشهده السينما السعودية خلال السنوات الأخيرة، تنظر بالغنيم إلى المنافسة بوصفها مؤشراً صحياً على نمو الصناعة، لا سبباً للقلق. وتقول: «المنافسة أمر صحي. نحن بحاجة إلى مزيد من صناع الأفلام والمبدعين. إذا غابت المنافسة، بقيت الصناعة في مكانها، وتوقف تطورها الإبداعي».
وترى أن اتساع دائرة المنتجين والمخرجين الشباب أصبح ينعكس مباشرة على مستوى الأعمال، مستشهدةً بتجربة «ارتزاز»، الذي جمع عدداً من المنتجين المحليين ومن خارج المملكة، بينهم خالد السديري، وجمانة زاهد، ومريم سندي، وباسل ذوق، مضيفة: «هذا وحده يوضح أن الصناعة تنمو بسرعة».
ومن فيلمها «أنا وعيدروس» إلى «ارتزاز»، مروراً بتجاربها الأكاديمية والعملية، تواصل بالغنيم بناء مشروعها السينمائي بخطوات متدرجة. وبسؤالها عمّا تتمنى أن يبقى من أفلامها بعد 10 أعوام، تجيب: «أتمنى عندما أنظر إلى أعمالي بعد سنوات أن أجد أنني امتلكت الشجاعة لخوض مغامرات إبداعية، حتى لو قدّمت فيلماً تشوبه بعض العيوب».
يرصد الفيلم الوثائقي الأوكراني «الموت لتحيا (To Die To Live)» رحلة تمتد لأكثر من 12 عاماً داخل واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في أوروبا المعاصرة، مستعيداً جذور الصراع الروسي - الأوكراني التي تعود إلى عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، واندلعت المواجهات المسلحة في إقليمي دونيتسك ولوغانسك شرقي أوكرانيا.
ومن خلال متابعة ثلاثة متطوعين حملوا السلاح في تلك المرحلة، يقدم الفيلم قراءة إنسانية للحرب التي بدأت قبل الحرب الجديدة بـ8 سنوات تاركة آثارها العميقة في حياة جيل كامل من الأوكرانيين. ويستند «الموت لتحيا»، الذي عُرض لأول مرة عالمياً ضمن مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، إلى متابعة وثائقية طويلة المدى لثلاثة رجال انتقلوا من ساحات القتال إلى الحياة المدنية بعد اتفاقيات مينسك، قبل أن يجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الحرب مع تصاعد العمليات العسكرية عام 2022.
ومن خلال هذه الرحلة، لا يكتفي العمل بتوثيق تطورات الصراع، بل يرصد التحولات النفسية والإنسانية التي يعيشها أبطاله وهم يحاولون استعادة حياتهم في ظل حرب لم تغادرهم يوماً، مع اختيار مخرجته التركيز على الجوانب الإنسانية في حياة أبطالها وما تتركه التجربة من آثار في الذاكرة والعلاقات والأسرة.
ورافقت المخرجة الأوكرانية يوليا هونتاروك شخصياتها منذ وجودها على خطوط المواجهة عام 2015، ثم تابعت تفاصيل عودتهم إلى المجتمع ومحاولاتهم بناء حياة جديدة، قبل أن تعيدهم الحرب إلى الجبهة مرة أخرى في عام 2022، لتقدم تجربة سينمائية تسجل شهادة توثق تطور شخصياته بمرور الزمن، بدل الاكتفاء برصد لحظة واحدة من الصراع.
توثيق التحولات
وقالت يوليا هونتاروك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن الفكرة لم تولد بوصفها فيلماً مستقلاً، وإنما جاءت امتداداً لما قامت به مع مجموعة من صناع السينما الأوكرانيين بعد أحداث الثورة في عام 2013، حين أسسوا تجمعاً لتوثيق التحولات التي تشهدها البلاد، ومع انتقال المواجهات إلى شرق أوكرانيا، حمل أفراد المجموعة كاميراتهم إلى خطوط القتال، وهناك بدأت ملامح المشروع الذي استغرق أكثر من عقد حتى يكتمل.
وأضافت أن رحلتها مع أبطال الفيلم بدأت في مدينة «ماريوبول» عام 2015، عندما التقت للمرة الأولى سيرغي كوتراكوف، المعروف باسم «شاختا»، إلى جانب «بوتر» و«دانسر». لم تكن تعرف آنذاك أن هؤلاء الرجال سيصبحون محور فيلمها، لكنها شعرت بأن قصصهم تستحق المتابعة، فقررت مرافقتهم بالكاميرا، ليس فقط أثناء وجودهم على الجبهة، وإنما أيضاً بعد عودتهم إلى حياتهم المدنية.
وأكدت أن تصورها الأول كان يقوم على إنجاز فيلم عن المتطوعين الذين يقاتلون في شرق أوكرانيا، إلا أن الأحداث أخذت منحى مختلفاً مع انتهاء فترة وجودهم على الجبهة وعودتهم إلى منازلهم، موضحة أنها وجدت نفسها أمام مادة مصورة لا تكفي لصناعة فيلم تقليدي عن الحرب، لكنها في المقابل اكتشفت بداية قصة أخرى أكثر عمقاً، تتمثل في محاولة هؤلاء الرجال التأقلم مع حياة لم يعودوا يعرفون كيف يعيشونها بعد سنوات من القتال.
وتشير إلى أن تلك اللحظة دفعتها إلى إعادة النظر في المشروع بالكامل، لتدرك أن الفيلم الحقيقي لا يكمن في المعارك نفسها، بل في الحياة التي تأتي بعدها، لافتة إلى أن السؤال الذي بدأ يشغلها لم يعد كيف يقاتل الإنسان، وإنما كيف يستطيع أن يعيش مجدداً بعدما اعتاد أن يكون الموت جزءاً من يومه، وهو السؤال الذي تحول لاحقاً إلى الفكرة الرئيسية التي بُني عليها «الموت لتحيا».
حرب 2022
ولم تسر الأمور كما خططت لها المخرجة، مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022 ليقلب مسار الفيلم مرة أخرى ويوثق الفيلم عودة أبطالها إلى جبهة الحرب مجدداً، وهو أمر تراه متسقاً مع طبيعة السينما الوثائقية التي لا تسمح لصانعها بفرض مسار محدد على الأحداث، بل تفرض عليه الإصغاء إلى الواقع وتركه يقوده.
وكشفت المخرجة أن حجم ا
Offene Fragen
- ما هي التحديات المستقبلية التي تواجه الفنانين والمخرجين في المنطقة؟
- كيف ستتطور السينما السعودية في ظل المنافسة المتزايدة؟
- ما هي الآثار طويلة الأمد للحرب الأوكرانية على الجيل الجديد؟





