المائدة وأدوات الطهي في الفن: تأويلات مختلفة لمكونات الحياة اليومية
Auf einen Blick
تستكشف المقالة أعمال ثلاثة فنانين - منى حاطوم، فيصل لعيبي صاحي، وسلطان بن فهد - الذين استخدموا المائدة وأدوات الطعام والطهي لتقديم تأويلات فنية مختلفة حول الحياة اليومية، التاريخ، السياسة، ومفاهيم البيت والأمان، متحدين دلالاتها التقليدية.
KI-generierte Zusammenfassung
Warum es wichtig ist
لطالما مثلت مائدة الطعام مساحة آمنة للاجتماع، لكن في السياق الفني، تختلف تأويلاتها وتصوراتها، كما يتجلى في أعمال فنانين تناولوا المائدة وأدوات الطعام والطهي.
لطالما مثلت مائدة الطعام المساحة الآمنة التي يجتمع حولها الأهل والأصدقاء في جو حميمي دافئ، ومع اختلاف الظروف والسياقات تختلف رمزية المائدة من مكان لآخر.
ولكن في السياق الفني تختلف التأويلات، والتصورات، ويتجلى هذا في أعمال فنانين تناولوا المائدة، وأدوات الطعام والطهي في أعمالهم، منهم الفنانة منى حاطوم، والفنان فيصل لعيبي صاحي، والفنان سلطان بن فهد.
نتأمل هذه الأعمال حاملين معنا إدراكاً بالمساحة التي تحتلها الموائد وأدوات الطعام في حياتنا، والأثر العميق والخاص الذي يتركه حضورها الأليف على ذاكرتنا، وشعورنا. ولكن بالنظر للدلالات التي تحملها المائدة وأدوات الطهي في هذه الأعمال، يتشكل إدراك بأن مكونات الحياة اليومية لا تحمل المعاني نفسها بالنسبة للجميع.
عشاء القصر
كانت تلك هي المرة الأولى التي يُفْتَتَح فيها القصر الأحمر في الرياض للجمهور منذ إخلائه في أواخر الثمانينات، حيث أقام الفنان السعودي سلطان بن فهد معرضه الشخصي في شهر مارس (آذار) من عام 2019. عرض الفنان أعمالاً تسلط الضوء على الحياة اليومية، والأحداث التاريخية والسياسية التي شهدها القصر، ومن ضمنها عمل بعنوان: «عشاء القصر»، وهو عمل تركيبي يتكون من طاولة طعام ممتدة، ومرصوص عليها عدد كبير من الأطباق الخزفية المذهبة التي تحمل ختم المملكة، بالإضافة إلى أدوات مائدة، وأباريق فضية، وأكواب زجاجية، وكراسي نُجدَت خصيصاً للعمل.
عند تأمل المائدة يكاد خيالك يستحضر روائح الأطباق المعدّة بعناية، ورنين أدوات الطعام، والشخصيات المرموقة التي اجتمعت حولها خلال حفلات العشاء. إلا أن الفيديو المصاحب للعمل يأخذك إلى بعد آخر، إذ يسلط الضوء على كواليس إعداد هذه الموائد، ويوجه الانتباه إلى الأشخاص الذين يعملون على تحضيرها. يعرض الفيديو عشاء افتراضياً يتسع لـ32 شخصاً على أربع طاولات ممتدة، أُعِدَّ لعمال وخدم القصر. يظهر الفيديو الأطباق الرئيسة من الأرز، واللحم، بالإضافة إلى أطباق جانبية، ونرى أيضاً أدوات المائدة الأصلية. أمضى الفنان سنوات في جمع أدوات المائدة، والتدقيق في صور حفلات العشاء التي أقيمت في القصر، والبحث في أصناف الطعام، والثياب، والاستعدادات لهذه الموائد، ثم حاول تجسيد هذه التفاصيل في حفل العشاء المتخيل. يركز الفيديو بشكل خاص على أيادي الرجال والنساء الذين يستمتعون بوجبة الطعام، في إشارة لارتباط الأيدي بالعمل، وكذلك لإبراز دور العاملين في الروايات التي تناولت القصر، وتاريخه.
مقهى بغداد
في عام 2016 قدم الفنان العراقي فيصل لعيبي صاحي بانوراما اجتماعية تاريخية سياسية في عمله: «مقهى بغداد». يمتد العمل على طول 616سم، وارتفاع 206سم، ويعد ذروة سلسلته الفنية عن المقاهي العراقية، والتي بدأها منذ ثمانينات القرن الماضي. تلعب أدوات المائدة في هذه السلسلة دور الوسيط الحيوي الذي يجمع أبطال أعماله.
بأسلوب يميل إلى السخرية، وبألوان مرحة، يقدم العمل شخوصاً متنوعة تقضي وقتها في مقهى شعبي عراقي. نرى استكانة شاي، وكوب قهوة على الموائد، ومشروبات مختلفة يحملها النادل على صينية في وسط العمل. يسرد المشهد الحافل زمناً ممتداً للعراق، وشرائح اجتماعية مختلفة، من خلال الأزياء التي يرتديها رواد المقهى، ومنها العمامة التقليدية، والطربوش العثماني، و«السدارة»، وهي قلنسوة ارتبطت بالعهد الملكي. تشترك أيضاً الأواني وأدوات الضيافة في هذا السرد التاريخي، على سبيل المثال، نرى زير الماء، والسماور البغدادي. يأخذ هذا السرد بعداً ودلالات سياسية من خلال الصحيفة المعاصرة التي يحملها أحد الزبائن، وتشير إلى حادثة تدمير متحف الموصل عام 2015. وفي طرح متباين نرى في الطرف الآخر من اللوحة كتاب «ملحمة جلجامش» للتذكير بحضارة بلاد الرافدين. تجد صور السياسيين طريقها أيضاً إلى أباريق الشاي في خلفية اللوحة.
على مائدة واحدة اختار الفنان أن يجمع بين رجل الدين والشخصية العسكرية، في إشارة لتأثير هذه الشخصيات على حياة الإنسان العراقي، أو ربما لإظهار دور المقاهي في تغيير المشهد السياسي. كما ارتبطت المقاهي تاريخياً بالحضور الذكوري، وهذا ما قد يفسر وجود سيدة وحيدة تقف على استحياء في طرف اللوحة.
قد ينظر إلى العمل على أنه يقدم نقداً ساخراً عن الحالة السياسية، والاجتماعية، أو يعرض مقارنة بين الماضي والحاضر. ويمكن القول أيضاً إن أدوات المائدة والضيافة رغم أنها ليست مركزية في العمل، فإنّها -وبحضورها المكثف- استطاعت أن تلعب دور القاسم المشترك الذي يجمع المتناقضات، كما استطاعت أن تخلق جواً من الألفة، وتسهم في تقديم مشهد مؤنس، ومتناغم.
البيت
تتحدى الفنانة الفلسطينية البريطانية منى حاطوم الفكرة التقليدية عن المطبخ بوصفة مساحة دفء، ورعاية، وتعيد تقديمه في عملها «البيت» كمكان خطر يهدد الحياة. أنتج العمل في عام 1999، ويتكون من مشهد لأدوات مطبخ معدنية موصلة ببعضها البعض بأسلاك كهربائية، ومصابيح موضوعة على طاولة متحركة. يسري شعور بالانزعاج، وربما الخوف، حين يمر التيار الكهربائي من خلال الأسلاك، وينطلق صوت أزيزه عبر مكبر الصوت، وكأن المشاهد يُستَدعى لجلسة تعذيب. تمتد أسلاك فولاذية مشدودة لتحميك من الكهرباء القاتلة المحتملة، وتخلق في الوقت نفسه حيزاً معزولاً. هذا الجو الخانق لا يخلو من لمسة جمالية حين يتسلل ضوء المصابيح من ثقوب أدوات المطبخ.
يقدم العمل عناصر بسيطة، ومختزلة، ولكنها تنطوي على مشاعر ودلالات متناقضة، ومركبة. فلو بدأنا بعلاقة حاطوم بالمطبخ نجد أنها علاقة ليست وثيقة، بل هي تنظر إلى أدوات الطهي بوصفها أشياء غريبة وجميلة. أما القلق والتهديد الذي يخلقه العمل، فهو نتيجة نزوح مركب، بدأ من حياة مع عائلة مهجرة، ثم اضطرارها للبقاء في لندن بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وقد تركتها هذه التجربة بين رغبة في التجذر وغربة روحية، وجسدية.
ومن منظور نسوي، فقد يوحي العمل بتحول المطبخ من مساحة للتعبير عن الحب إلى مكان للأسر. وحتى عنوان العمل «البيت» قد يخلق حواراً خاصاً مع المتلقي عن مفهوم وذاكرة البيت، ومساحاته. وهنا تتجلى أقصى غايات أعمال حاطوم، وهي خلق مواقف تزعزع المسلّمات، في محاولة لإبقاء الإنسان في حالة من الشك، وإعادة تقييم علاقته بالأشياء من حوله، ومساءلة كل ما يتحكم بحياته. تستعين حاطوم بجسد المتلقي وعاطفته كوسيلة للبحث، والتأمل، فالجسد من وجهة نظرها هو مركز التجربة الفنية، وهذا ما يبقي المجال مفتوحاً لمزيد من التأويلات والتفسيرات لمدلولات العمل الفني.
Offene Fragen
- كيف تتفاعل الجماهير المختلفة مع هذه الأعمال الفنية؟
- ما هو التأثير طويل المدى لهذه الأعمال على الخطاب الفني؟







