قصر هشام: سجادة فسيفسائية ضخمة في قلب البادية الفلسطينية
En resumen
اكتُشفت في البادية الفلسطينية، قرب أريحا، سجادة فسيفسائية ضخمة تُعد "أكبر فسيفساء في العالم"، تعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. نجت هذه التحفة الفنية من الزلزال الذي ضرب المنطقة عام 746م، وتم ترميمها وتأهيلها لتصبح موقعاً سياحياً بارزاً.
Resumen generado por IA
Por qué importa
تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها قصر هشام بن عبد الملك في خربة المفجر قرب أريحا، والذي يشتهر بسجادة فسيفسائية ضخمة. تعرض القصر لزلزال عام 746م، لكن الأنقاض حفظت أرضياته الفسيفسائية.
تحوي البادية الفلسطينية صروحاً أموية عدة، أهمها صرح يعود إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، كشفت عنه بعثة بريطانية في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، نواحي شمال مدينة أريحا. أُطلق على هذا الصرح اسم «الخربة» التي خرج منها، ثم اشتهر باسم «قصر هشام»، وأهم معالمه سجادة فسيفسائية ضخمة تزيِّن أرض حمّامه الكبير، توصف بـ«أكبر فسيفساء في العالم». تمتد على مساحة 835 متراً مربعاً، وتتألف من مجموعة خانات فسيفسائية مترابطة، تشكِّل كلها، بعضها مع بعض، أرضيّة جامعة.
حافظت هذه الفسيفساء على مكوّناتها بشكل كامل، كما تشهد الصور الفوتوغرافية التوثيقية التي التُقطت عند اكتشافها في الثلاثينات.
كيف نجت هذه السجادة من الخراب؟ وكيف خرجت مكوّناتها من بين الردم بشكلها الأصلي؟
في الواقع، أظهرت الدراسات العلمية المتأنية أنَّ الموقع شُيّد في عهد هشام بن عبد الملك، واستمرَّت حركة البناء فيه بعد رحيل الخليفة، إلى أن تعرَّضت المنطقة لزلزال كبير خلال عام 746، فتهاوى القصر إثر هذا الزلزال، إلا أن الأتربة والأنقاض المتراكمة حفظت أرضياته الفسيفسائية، وشكّلت لها ستاراً واقياً.
في عام 1959، نشرت جامعة أكسفورد دراسة شاملة تناولت هذا الموقع الأثري الأموي، وحملت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء».
في هذا الكتاب المرجعي، قدَّم العالم البريطاني روبرت هاملتون دراسةً تحليليةً شاملةً تناولت أرضيات القصر الفسيفسائية، وحوت رسوماً توثيقية خاصة بهذه السجادات شكّلت أساساً لدراسة هذا الأثر الفريد.
عُرف «قصر هشام» في الميادين الخاصة بعلم الآثار، واقتصرت شهرته على هذه الميادين. في عام 1994، عاد اسم هذا القصر إلى الواجهة الإعلامية بعد نقل صلاحيات إدارته إلى السلطة الفلسطينية، وسارعت دائرة الآثار الفلسطينية الوليدة إلى العمل على تأهيله وإحيائه بالتعاون مع «اليونيسكو»، و«معهد الآثار الفرنسيسكاني»، وأجرت مسحاً طوبوغرافياً جديداً للموقع، وأنشأت معهداً لترميم الفسيفساء بدعم من الحكومة الإيطالية في عام 1999. بعدها، نظفت دائرة الآثار هذه الفسيفساء ونقّتها وثبّتتها خلال عام 2010، ثم قيّمت حالة حفظها وصيانتها. في تلك الحقبة، قام الباحث الفلسطيني حمدان طه بحملة لتصوير هذا الأثر الكبير بالتعاون مع فريق محلّي ضمّ 4 علماء من فلسطين، وفي عام 2015، نشر مجلداً خاصاً بهذه الفسيفساء، حوى عرضاً توثيقياً شاملاً لمكوّناتها.
كشفت وزارة السياحة الفلسطينية عن فسيفساء قصر هشام لفترة وجيزة عام 2010، ثم أعادت طمرها بغية الحفاظ عليها، وأعادت الكشف عنها استثنائياً في عام 2016، بحيث أصبحت متاحةً للسياح والزوار لمدة شهر واحد فقط. بعدها، عقدت الوزارة اتفاقاً مع «الوكالة اليابانية للتعاون الدولي» لترميم الموقع وتحديثه وتجهيزه، وأثمر هذا الاتفاق عن إعادة الكشف عن الفسيفساء في خريف 2021، بعد تأمين كل السبل لحمايتها، وبلغت تكلفة هذا المشروع 12 مليون دولار. أُقيم فوق هذه الأرضية سقف واقٍ، جاء على شكل قبة معدنية تغطّي أرضية الفسيفساء، وشُيّد هذا السقف فوق 4 قواعد رئيسية مثبتة في الزوايا. وجرى تأمين ممرات داخلية للدخول إلى الموقع، مع مسارات علوية للزوار والسياح، استناداً إلى المعايير الدولية المتبعة في تنظيم مسألة الحفاظ على الآثار. هكذا تحوَّل قصر هشام إلى موقع سياحي مفتوح، بعدما كان على مدى عقود من الزمن موقعاً أثرياً يعرفه أهل الاختصاص فحسب.
تتكوَّن هذه الفسيفساء الضخمة من 38 خانة مترابطة، ووفقاً للدراسة التي أنجزها روبرت هاملتون، تتبنّى هذه الخانات 7 أنماط تصميمية، شكّلت أساساً لتأليف فسيفساء الحمّام الملكي. تتوسّط هذه الفسيفساء الضخمة سجادة دائرية بديعة تحت القبة المركزية، وتتكوّن من مجموعة أقواس متداخلة تشع من الوسط في اتجاه الخارج. يحوي تأليف الفسيفساء الجامع 4 سجادات دائرية أصغر حجماً، تقع كل منها بين 4 أعمدة. تشكّل هذه السجادات الدائرية الـ4إطاراً مربّعاً يحيط بالسجادة الكبيرة التي تحتل مركز الوسط، وتحوي كل منها شبكة من التصاميم الدائرية تبدو كأنَّها خيوط منسوجة. كذلك يحوي هذا التأليف الجامع سجادتين مستطيلتين، تقع إحداهما عند مدخل القاعة الشرقية، والأخرى في الجانب الجنوبي. ثمة سجادات مستطيلة أخرى تزينها زخارف مجدولة.
من جهة أخرى، يحوي هذا التأليف 3 سجادات طويلة تشكِّل إطاراً له، وتحدّ هذا الإطار سلسلة من الحنيات تماثل المحاريب، زيّنت كل منها بتأليف خاص، ومنها ما زُيِّن بزخارف نباتية مجرّدة، ومنها ما زُيِّن بزخارف تحاكي ما تُسمّى بـ«أشكال قوس قزح». تجاور إحدى هذه الحنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتفرّد بصورة ثنائية في وسط عتبتها تمثّل سكيناً وفاكهة على شكل عنقود من العنب.
وصف روبرت هاملتون خصائص كل لوحة من ألواح هذه الأرضية، وقارنها بالأمثلة التي سبقتها زمنياً في الشرق الأوسط، وأظهرت هذه المقارنة متانة تأليف فسيفساء «قصر هشام»، ودقة أسلوبها الهندسي الذي تميّزت به بشكل خاص. لا يشكّل هذا الأسلوب التجريدي الهندسي خصوصيّة أمويّة، إذ نقع على كنائس محلية من العهد البيزنطي تعتمد هذا الأسلوب، منها على سبيل المثل كنيسة تُعرف بـ«الكنيسة الشمالية»، في موقع «اليصيلة» الأثري شمال الأردن، على بعد نحو 9 كيلومترات إلى الشرق من مدينة إربد. تعود هذه الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي، وتزيِّنها أرضية فسيفسائية تخلو من أي عناصر تصويرية آدمية وحيوانية، وتعتمد التقاسيم الهندسية البحتة. تتبنّى فسيفساء قصر هشام هذا الطراز، وتتميّز بضخامتها وبتأليفها المسبوك.
توقَّف روبرت هاملتون أمام الصورة الثنائية التي تحضر استثنائياً في إحدى حنيات الباب الشرقي للقاعة، وتتمثّل بسكين وفاكهة على شكل عنقود من العنب، فرأى هذا العالِم البريطاني أنِّ هذه الصورة الثنائية ترمز إلى ثنائية الذكر والأنثى، وتشير إلى الولادة، وهي تختزل رمزيّاً اسم الخليفة الوليد. في المقابل، دحض غازي بيشة هذه القراءة التأويلية في كتابه «القصور الأموية في الأردن» الصادر سنة 1974، وأشار إلى حضور هذه الصورة الثنائية في كثير من الأرضيات الكنسية الأردنية، ورأى أنَّها تشكِّل في العالم البيزنطي رمزاً للخصوبة والعطاء والازدهار.
لم تكن باريس في ستينات وسبعينات القرن العشرين مجرد مدينةٍ أوروبيةٍ، بل كانت «المِرجلَ» الذي انصهرت فيه طموحاتِ أدباء أميركا اللاتينية، لتولد من رحمِ غربتها «طفرة» أدبيةً أعادت صياغة الخريطة الروائية العالمية. لقد شكّل عمالقةٌ من أمثال غابرييل غارسيا ماركيز، وماريو فارغاس يوسا، وخوليو كورتاثار، وكارلوس فوينتس، مجتمعاً أدبياً متوقداً، حوّل شوارع «مدينة الأضواء» إلى ساحاتٍ للتجريب والتمرد الفكري، فتحولت باريس إلى المَهد الذي احتضنَ «طفرة» الأدب اللاتيني.
ومن القامات التي سكنت ضفاف «السين» وتميز كل واحد منهم عن الآخر: ماريو فارغاس يوسا (البيرو)، ففي كنف باريس، وبين جدران وكالة الصحافة الفرنسية، تفتحت موهبته لتثمر «مدينة الكلاب»؛ الرواية التي دوّت في الآفاق وأعلنت ميلاد كاتبٍ سيغير وجه الرواية الحديثة. وغابرييل غارسيا ماركيز (كولومبيا)، الذي قاسى في باريس شظف العيش وفقرَ البدايات، لكنه في رحم هذا الفقر، استلهمَ خيوط ملحمته الخالدة «مائة عام من العزلة»، محولاً عزلته الباريسية إلى كونٍ سحريٍّ لا ينسى. وهناك خوليو كورتاثار (الأرجنتين)، الذي اتخذ من باريس مستقراً أبديّاً منذ الخمسينات، وفي أزقتها ودروبها المتاهية، نسج تحفته «الحجلة» (Rayuela)، التي جعلت من المدينة بطلةً حقيقيةً في سياقٍ من الغرائبية والعبث. وكارلوس فوينتس (المكسيك)، الذي كان الجسرَ الحيّ الذي يربط أدباء القارة ببعضهم البعض، وحلقة الوصل التي عززت حضورهم في المشهد الأدبي العالمي.
أيقونات ثقافية
لم تكن إقامة هؤلاء العمالقة عشوائية، بل تمحورت حول مساحاتٍ صارت أيقوناتٍ ثقافية: الحي اللاتيني؛ القلب النابض الذي ضخَّ الحياة في عروق إبداعهم، حيث تلاقت الأفكار فوق موائد المقاهي العتيقة. ومكتبة «شكسبير وشركاه»: الملاذ الذي احتضن أرواح المغتربين، وظلَّ حتى يومنا هذا منارةً تجمع المبدعين من كل فجٍّ عميق. وفندق «لويزيانا»: الشاهدُ الصامتُ على بداياتهم المتواضعة، حيث كان الفندقُ «محطةَ انتظار» قبل أن يحلقوا في سماء العالمية ويذيع صيتهم في الآفاق.
كانت باريس «المسافة» الضرورية التي منحتهم موضوعيةً قاسيةً لرؤية أوطانهم بوضوح؛ فمن بُعدِ كيلومتراتٍ طويلة، اكتشفوا جوهر هويتهم اللاتينية. ولم يكن هذا التماسّ الأدبي محض صدفة، بل دعمته مؤسسات نشرت إبداعهم (مثل دار «غاليمار»)، مما فتح أمامهم أبواب العالمية. وفي خضمِّ هذا العطاء، لم تخلُ مسيرتهم من دراما إنسانية؛ حيث تحولت علاقاتهم من صداقاتٍ أخويةٍ وطيدة إلى خلافاتٍ أيقونية كالعراك الشهير بين يوسا وماركيز عام 1976، لتصبح هذه المواقف جزءاً من الأسطورة التي أحاطت بـ«طفرة» الأدب اللاتيني.
في كتابه المثير للدهشة تحت عنوان «أنوار الوطن: قرنٌ من أدباء أميركا اللاتينية في باريس»، يجسّد مؤلفه جايسون فايس، بأسلوبٍ يجمع بين الرصانة الفكرية والعمق البلاغي، مفارقةً فلسفية عميقة؛ وهي معادلة الإبداع في المنفى والغربة، فالوطن الذي غادره هؤلاء الكُتّاب قسراً أو طوعاً، لم يغب عنهم، بل استحال «نوراً» داخلياً يُضيء عتمة المنفى، ومنح نصوصهم بريقاً لا يضاهى. يمكننا تأمل هذه العلاقة من عدة زوايا أدبية وروحية: المنفى كمرآة للذات: حين يبتعد المبدع عن جغرافيا وطنه، يكتشف أن الوطن ليس مجرد تضاريس، بل هو لغة وذكريات وإيقاع نفسي. باريس هنا لم تكن مجرد مدينة أوروبية، بل كانت «المرآة» التي انعكس فيها الوطن بوضوح أكبر. ففي الغربة، يزداد الحنين حدةً، وتتحول الصور الباهتة للأرض الأم إلى مشاهد نابضة بالحياة في أعمالهم الروائية.
يأتي بعد ذلك، تلاقح الحضارات (التثاقف)، بكون باريس «مختبراً عالمياً» للأفكار، منحت هؤلاء الكتّاب أدواتٍ حداثية، وتقنيات سردية متطورة، لكنهم لم يذوبوا فيها. لقد كان نجاحهم يكمن في «التهجين الأدبي»؛ حيث صهروا عبثية باريس، وفلسفتها، وتاريخها، مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية، فخرج إلينا أدبٌ عالميٌّ بامتياز، مُحمّلٌ بروحٍ محليةٍ غائرة في القدم. لذلك أصبحت باريس بوصلة النجاح التي توثق «محطة الوعي»؛ فبمجرد أن يُقرأ الكاتب اللاتيني في باريس، أو يُترجم عبر دور نشرها العريقة، فإنه يحصل على اعترافٍ دوليٍّ يُعيده إلى وطنه بطلاً أدبياً، ويمنحه شرعية العبور إلى العالمية. وهكذا تحولت باريس إلى «جسرٍ» يربط بين هوامش أميركا اللاتينية ومركزية الثقافة العالمية. وفي هذا المجال، لو غصنا في تجربة كتّاب وأدباء أمثال ماريو فارغاس يوسا، أو غابرييل غارسيا ماركيز، أو خوليو كورتاثار، نكتشف أن هؤلاء حملوا «أنوار أوطانهم» ليضيئوا بها سماء باريس، وتمسكوا بلغتهم الأم، وكذلك كتّاب آخرون «يتنفسون» المدينة (مثل كورتاسار وفارغاس يوسا). هؤلاء الأخيرون بقوا أوفياء للغتهم الأم (الإسبانية)، لكن باريس عملت في نصوصهم كـ«مُحفّزٍ سريالي». وصول فارغاس يوسا إلى الأكاديمية الفرنسية - وهو الذي يكتب بالإسبانية - هو اعترافٌ فرنسي بأن «الأدب اللاتيني» قد أصبح جزءاً لا يتجزأ من صيرورة الثقافة العالمية. ولكن هناك مَن تحول إلى الكتابة بلغة الآخر؛ أي هؤلاء الذين اتخذوا من «لغة موليير» جسراً ليعبروا فيه عن ذواتهم المهاجرة، إذ قامت النقاشات حول «المثقف المهاجر» و«اللغة كوطن بديل». إن هؤلاء الكتاب، الذين اختاروا الفرنسية، لم يكتفوا بكونهم «مترجمين» لذواتهم، بل تحولوا إلى «مبدعين» استلهموا من روح اللغة الفرنسية هيكلاً جديداً لأفكارهم، مما يثري مشهد الأدب العالمي أمثال إدواردو مانيت الذي عانى تجربة المنفى القسري، وروايته «الغرباء»، وهيكتور بيانشوتي من ضفاف الأرجنتين إلى قبة الأكاديمية، يعتبر بيانشوتي حالة استثنائية؛ فهو لم يكتفِ بالكتابة بالفرنسية، بل صعد سلّم الاعتراف الثقافي الفرنسي حتى نال مقعداً في «الأكاديمية الفرنسية». وراؤول دامونتي بوتانا والمعروف بالاسم المستعار كوبي الذي يُعتبر تجسيداً للتمرد السريالي.
ثمة لحظةٌ فارقةٌ في حياة المبدع، حين يجد نفسه واقفاً على أعتاب مدينةٍ ليست مدينته، يقتات من ذكرياتِ أرضٍ باتت بعيدة، ويكتبُ بلغةٍ قد لا تكون لغته الأم، أو يكتبُ عن وطنٍ يراه بوضوحٍ أكبر كلما زادت المسافة. هذا ما تعبّر عنه تجربة أدباء أميركا اللاتينية في باريس، التي تتقاطع مع حكاية أولئك المبدعين الذين اختاروا «الفرنسية» موطناً لأقلامهم، ليشكلا معاً لوحةً فريدة لـ«إنسان الغربة».
على الجانب الآخر، نجد تلك الكوكبة التي اختارت الفرنسية لغةً للإبداع، مثل كونديرا وماكين ويونسكو. إذا كان أدباء أميركا اللاتينية قد لجأوا لباريس ليحفظوا «ذاكرة الوطن»، فإن هؤلاء المبدعين لجأوا إلى «اللغة الفرنسية» ليجدوا «وطناً للروح»، إذ إن اختيار اللغة ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو قرارٌ فلسفيٌّ بتفكيك الهوية وإعادة بنائها. فعندما يكتب المرء بلغةٍ غير لغته الأم، فهو لا يكتبُ فقط، بل هو يتخلص من زوائد المألوف، ويصل إلى جوهر الفكرة دون أن تعيق حركة خياله قيودُ التراث والنشأة.
لم يكن أدباء أميركا اللاتينية في باريس - مثل غارسيا ماركيز أو خوليو كورتاثار - يكتبون عن باريس التي كانت بالنسبة لهم «مختبراً» للنضج، ومكاناً يمنح الكاتب المسافة اللازمة لرؤية وطنه بـ«عدسةٍ كونية»، بل إنهم كانوا يفرون من أتون السياسة والاقتصاد، ليجدوا في المقاهي الباريسية صومعةً لترميم الذات، حيث يمتزج صخب السريالية الفرنسية بواقعية أميركا اللاتينية السحرية، ليصنعوا أدباً يفوح برائحة الغابات الاستوائية في أزقة مدينة الأضواء. في كلتا التجربتين، تظهر باريس ككائنٍ حيّ، كما وصفها الأدباء الآخرون: «الملاذ»، «العيد»، «اللعوب» و«الفاتنة»، و«الواحة» التي تمنحهم الحرية لتأكيد ذواتهم أو بالأحرى الجسر الذي يربط بين «تخوم العالم» و«مركزه»، والامتزاج بين الحنين والمجهول.
إن هؤلاء المبدعين - سواء كانوا لاتينيين يحملون إرث القارة البعيدة، أو «مهاجرين لغويين» اختاروا فرنسية النص - يؤكدون على شيءٍ واحدٍ هو أنّ الإبداع لا يعترف بالحدود الجغرافية، و«الوطن» الحقيقي ليس رقعة أرضٍ نولد عليها، بل هو تلك المساحة الرحبة من الحرية التي يصنعونها بأنفسهم عبر استحضار ذكريات الماضي أو عبر استنطاق لغةٍ جديدة.
لقد أثبت هؤلاء أنَّ الكاتب، حين يغترب، لا يضيع بالضرورة، بل يجد صوته الحقيقي في أصداء الصمت، ويحول ألمه الشخصي إلى «أنوار» تضيء دروب القراء في كل زمان ومكان. ويمكن للكاتب أن يكون «مغترباً» حتى داخل لغته الأم، وأنَّ الإبداع الحقيقي لا يولد إلا في المسافة الفاصلة بين الانتماء والرحيل بفعلِ تلاطم أمواجِ الأزمات السياسية، والاختناقات الثقافية، والانهيارات الاقتصادية في أوطانهم، لذلك وجد أدباء أميركا اللاتينية ملاذاً في الهجرة إلى باريس التي لطالما كانت قبلةَ المنفيين والمغضوب عليهم كأنهم يشتركون في «سيرة جماعية» للإبداع، متجذرةً في تربة أوطانهم الأولى رغم الغربة.
لم يقف هؤلاء الأدباء عند حدود الجدل الأدبي التقليدي بين «الفانتازيا» و«الغرائبي»، بل غاصوا عميقاً في نقد «صنمية السلعة» التي تلتهمُ الإبداع. وقد تم توثيق ذلك من خلال محاوراتهم وجدلهم وشتات رسائلهم، ومذكراتهم. وكانت بينهم مظلاتٍ إنسانية مشتركة؛ كالدبلوماسية، أو النزوح القسري، أو التجاوز الجنسي، أو حتى التغرب في لغةٍ أخرى (الفرنسية). ومع كل تلك الاختلافات بينهم إلا لأنّ ثمة «نغمة خفية» توحدُ بين أدباء أميركا اللاتينية، وهي حالة لم تعرفها الأمم المهاجرة الأخرى في باريس التي تحولت قنديلاً يُضيءُ طريقهم نحو إعادة اكتشاف هويتهم اللاتينية.
هؤلاءَ العمالقة صاغوا تاريخ باريس «الهسباني»: كورتاسار، ساردوي، أستورياس، كاربنتيير، ريبيرو، بريس إيشينيكي، فارغاس يوسا، وغارسيا ماركيز، أوكتافيو باث، وأليخاندرا بيزارنيك وغيرهم، نرى في أعمالهم مختلف التأثيرات، ومنها «التأثيرات السريالية في روايات خوليو كورتاثار» أو «تمثيلات الغربة في أدب ماريو فارغاس يوسا»، و«خبايا» إقامتهم في باريس. وهناك أسماء أدبية نسوية مهمة، وفي مقدمتهن لويزا فوتورانكس، التي حظيت بترجماتٍ إنجليزية بارعة. ولا يمكن إهمال رؤية تأثير الثورة الكوبية على تنامي الاهتمام الأوروبي بأميركا اللاتينية، وحضور أسماء أدبية مهمة في جلسات المقاهي الباريسية.
يُشكّل وجود هؤلاء الأدباء في المنفى، تجسيداً لـ«ظاهرة باريس» كمركز ثقلٍ أبدي في حياة النخبة المثقفة في أميركا اللاتينية. وبينما لا يزال بعض النقاد يشككون في قدرة باريس على الاحتفاظ بهيبتها الأدبية لكنها كانت آنذاك كـ«مختبرٍ وجودي» صقل «تحول أميركا اللاتينية» من مجرد ملاذٍ للمنفيين إلى فضاءٍ فكري، كما دمجوا في أعمالهم، وهذا هو التأثير الأهم في كتابتهم، التحليل النفسي وما بعد البنيوية، بل إن هؤلاء الأدباء المغتربين من أميركا اللاتنية حولوا اغترابهم إلى نصوصٍ عابرة للحدود، تعيد خلق الوطن من رحم العدم. في الختام، نتساءل: هل كان من الممكن أن يحدث هذا التحول الفلسفي في أعمالهم ووصوله إلى العالمية دون التماسّ مع باريس؟
صهروا عبثية باريس وفلسفتها وتاريخها مع «الواقعية السحرية» وأساطير أميركا اللاتينية
في رواية «سيدي الحب» (دار ديوان للنشر - القاهرة) للكاتبة والروائية المصرية رشا زيدان، تبدو ظلال قصة الحب التي كتبها محمود درويش في قصائده عن «ريتا» وكأنها تؤطر العالم السردي للرواية منذ صفحاتها الأولى.
لا يقتصر حضور درويش على تصدير الرواية، بل يتسلل عبر عتبات الفصول، حيث يتصدر كل فصل مقطع شعري يبدو وكأنه المنبت الأول للحكاية ومرجعها الرمزي، فمن قوله: «ومن أنت يا سيدي الحب حتى نطيع نواياك؟» يتشكّل أفق القراءة حول فكرة الحب الذي يقف في مواجهة الهُوية، والعاطفة التي تصطدم بتاريخ طويل من العداء، قبل أن تفتح الرواية هذا الأفق على أسئلتها الخاصة.
إلا أن رشا زيدان تنزع إلى مقاربة أكثر حدّة وتعقيداً، إذ تضع بطلها، الحاخام اليهودي هارون، أمام مفارقة وجودية تزعزع يقينه الديني والإنساني، لتفتح أمامه مساراً روحياً ينتهي به إلى الإسلام، ويتوازى هذا المسار مع علاقة تنشأ بينه وبين فاطمة الفلسطينية، التي يلتقي
Preguntas abiertas
- ما هي التفاصيل الدقيقة لعملية الترميم التي قامت بها اليونيسكو؟
- هل هناك اكتشافات أثرية أخرى متوقعة في المنطقة؟






