"نار بروميثيوس الروحية".. معرض روسي يكشف عن دواوين مناهضة للشيوعية في مكتبة لينين الخاصة
L'essentiel
معرض فني في موسكو يستعرض أعمال فنانين روس بارزين وتلاميذهم، ويركز على مدرسة إليزافيتا زفانتسيفا الفنية، ويكشف عن جوانب غير متوقعة في مسيرتهم الفنية.
Résumé généré par IA
Pourquoi c'est important
يستعرض معرض فني في موسكو أعمال فنانين روس بارزين وتلاميذهم، ويركز على مدرسة إليزافيتا زفانتسيفا الفنية التي تأسست عام 1899.
وتجاورت أعمال الموجهين البارزين مثل ليون باكست، وكوزما بيتروف-فودكين، ومستيسلاف دوبوزينسكي، مع لوحات تلاميذهم من أمثال مارك شاغال وميخائيل ماتيوشين، في تظاهرة تكشف عن جوانب مفاجئة وغير متوقعة تماما في مسيرة هؤلاء المشاهير، إلى جانب توفير مناطق تفاعلية جاذبة للزوار.
"نار بروميثيوس الروحية".. معرض روسي يكشف عن دواوين مناهضة للشيوعية في مكتبة لينين الخاصة
وتعود الجذور التاريخية للمعرض إلى شخصية مؤسسته إليزافيتا زفانتسيفا، وهي تلميذة الرسام الشهير إيليا ريبين. وتوضح أمينة المعرض، فيرا ريابينينا، أن الفنان تأثر بشخصيتها وحضورها، وعبّر عن ذلك من خلال مراسلاته الجريئة لها والتي كانت تسبب لها حرجا شديدا، ما دفعها للجوء إلى مرسم بافيل تشيستياكوف، قبل أن تسافر إلى باريس برفقة ابن عمها قسطنطين سوموف لاستكشاف الأكاديميات الفرنسية الخاصة.
وعقب عودتها إلى موسكو، افتتحت زفانتسيفا مدرستها الفنية عام 1899، واستقطبت للتدريس فيها أبرز فناني ذلك العصر وأكثرهم تميزا مثل فالنتين سيروف، وقسطنطين كوروفين، ونيقولاي أوليانوف. وفي عام 1906، نقلت نشاطها إلى بطرسبورغ لتواصل مسيرتها بالتعاون مع فنانين مرموقين كليون باكست ومستيسلاف دوبوزينسكي. واستمرت المدرسة في العطاء حتى ربيع عام 1917، وشهدت عدة تنقلات وتغيرات في طاقم المعلمين، كان أبرزها مغادرة باكست إلى باريس عام 1910 للعمل مع دياغيليف في مشروعه "الفصول الروسية"، ليحل محله كوزما بيتروف-فودكين.
وينقسم المعرض الفني إلى أربعة أقسام رئيسية؛ حيث يُستقبل الزوار بلوحات "زفانتسيف" الأكثر تميزا بالمعنى الإيجابي للكلمة. وتبرز هذه الأعمال بوضوح التشابه الأسلوبي والترابط الفني الوثيق بين الطلاب، وهو تجانس أسلوبي لافت كان واضحا حتى بالنسبة لمعاصريهم في ذلك الوقت.
وتوضح ريابينينا أن السمات المميزة لأعمال الطلاب تتمثل في النزعة الزخرفية، والتعبيرية الحيوية للألوان، وتجسيد الطبيعة بأسلوب فني فريد بدلا من الاكتفاء بنسخها حرفيا، وهو توجه يتماشى مع روح ذلك العصر ويُضفي عليه أهمية بالغة، لكن من دون الانجراف الحاد نحو اليسار الذي اتسم به فنانو الطليعة الذين أرادوا "الإطاحة بالجميع من سفينة الحداثة"؛ حيث يتمسك أبطال هذا المعرض بالتقاليد الفنية بقوة، ويشعرون برابطة وثيقة مع فنون العصور الماضية، لكنهم يجددون لغتهم الفنية في الوقت ذاته.
وتُعرض في القاعة لوحة رسمتها ناديجدا ليرمنتوفا، ابنة أخت الشاعر الشهير ميخائيل ليرمونتوف، وهي تلميذة موهوبة ومحبوبة جدا لدى باكست، واللوحة هي بورتريه لزميلتها في الدراسة فارفارا كليموفيتش-توبر، التي توفيت في ريعان شبابها دون أن تترك وراءها أي لوحات.
كما توجد لوحة طبيعة صامتة نابضة بالحياة للفنانة صوفيا ديمشيتس-تولستوي، الكونتيسة الطليعية وزوجة الكاتب أليكسي تولستوي؛ حيث يوضح القيّم على المعرض أن اللوحة تكشف بوضوح عن إلمام الفنانة العميق بالفن الأوروبي كونها درست الرسم في باريس، مشيرا إلى وجود صلة واضحة ومباشرة بين عملها ولوحة هنري ماتيس الشهيرة "الأسماك الحمراء" المحفوظة في متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة، مع فارق أن تولستوي رسمت لوحتها قبل الفنان الفرنسي بعام كامل.
أما بقية المعرض، فتتوزع على ثلاثة أقسام مخصصة لأساتذة مشهورين تحمل عناوين: "أسلوب باكست"، و"أسلوب بيتروف-فودكين"، و"أسلوب دوبوزينسكي"، وتعرض هذه القاعات أعمالا مشتركة للأساتذة جنبا إلى جنب مع نتاج طلابهم.
يُعرف مستيسلاف دوبوزينسكي بتدريسه لرسم الجسد العاري في مدرسة زفانتسيفا، على الرغم من أن شهرته الفنية ارتبطت بشكل أساسي بتصويره لمناظر ضواحي بطرسبورغ. وقد انتقل تأثيره هذا إلى تلاميذه، ويظهر ذلك جليا في أعمال الفنانة رايسا كوتوفيتش-بوريسياك، التي استلهمت في إحدى لوحاتها أسلوب أستاذها بشكل مباشر، مدمجة رموزا من الكتاب المقدس ضمن المحيط الحضري لمدينة بطرسبورغ في تجربة فنية لافتة.
أما مارك شاغال، فقد استكشف بدوره المواضيع الدينية مع إضفاء أبعاد قومية يهودية عليها. وترى الباحثة فيرا ريابينينا أن هذا التوجه قد يكون متأثرا بليون باكست، الذي حاول تقديم رؤى مشابهة في بداياته لكنها اعتُبرت راديكالية للغاية في ذلك الوقت. كما يُعتقد أن شاغال استمد من دوبوزينسكي طريقته في تحويل المشهد المدني إلى عمل فني يحمل دلالات روحانية وجمالية خاصة.
ويضم المعرض أيضا عملا نادرا للفنان ماير شيخيل، وهو أحد خريجي مدرسة زفانتسيفا، يتمثل في بورتريه لكاهن يهودي. ويُعد شيخيل شخصية بارزة في الحركة الطليعية الروسية والمدرسة الفرنسية بعد هجرته إلى باريس. وقد انتهت مسيرة هذا الفنان المبدع بشكل مأساوي بوفاته في معسكر اعتقال أوشفيتز خلال الحرب العالمية الثانية، وتعرضت أعماله للتدمير بعد تصنيفها آنذاك ضمن ما كان يسمى بـ "الفن المنحط".
ويكشف الجناح الفني لجمهوره عن زوايا ومفاجآت غير مألوفة في الصالة المخصصة لأعمال باكست؛ حيث تتصدر المشهد لوحة "مستحمّون في ليدو"، وهي عمل يبتعد تماما عن نمطه التقليدي المعهود المعروف بالتعقيد والرقي والإثارة الحسية. ولإبراز هذا التباين التحريري، وضع المنظمون في مواجهة اللوحة تصميماته وإسكتشاته التخطيطية الكلاسيكية الخاصة بالأزياء المسرحية.
وتعلق ريابينينا على فلسفة باكست التوجيهية قائلة إن باكست تجنب تلقين تلاميذه أسلوبه الشخصي، بل ركّز على تعليمهم أسس الفن المعاصر وفق رؤيته الحرة، مصرا على أن يمتلك العمل الفني سمات الديناميكية والصدق والتعبير الحي والتميز، ومستلهما روائعه من تماثيل الفنون اليونانية العتيقة وحضارة مصر القديمة.
وتضم القاعة ذاتها البورتريه الأكثر شهرة للشاعرة مارينا تسفيتايفا، والذي رُسم في منطقة كوكتيبيل وظل في عداد الأعمال المفقودة لسنوات طويلة، وهو من إنتاج تلميذته ماجدا ناخمان. وتتميز هذه الفنانة بمسيرة حياتية حافلة؛ إذ ولدت لأسرة مثقفة في ضواحي بطرسبورغ، وارتبطت بعد الثورة بسياسي هندي انتقلت معه إلى ألمانيا، وهناك نشأت بينها وبين الكاتب نابوكوف صداقة أثمرت عن رسمها لعدة صور شخصية لعائلته. ومع تولي هتلر مقاليد الحكم، تحولت ألمانيا إلى بيئة خطرة على ناخمان بسبب خلفيتها اليهودية، لتهاجر برفقة زوجها إلى الهند، وتتحول هناك إلى واحدة من أبرز رائدات المشهد التشكيلى في بومباي، وتُعرض كثير من لوحاتها اليوم في متاحف وصالات عالمية خارج بلادها.
أما في الجناح المخصص لـ "أسلوب بيتروف-فودكين"، فيبرز بورتريه شخصي جذاب للفنانة يوليا أوبولينسكايا، تظهر فيه متألقة بفستان أحمر دافئ وسط طبيعة شبه جزيرة القرم الساحرة، إلى جانب توفير مساحة لعرض مجموعة من الإبداعات التشكيلية الخاصة ببيتروف-فودكين نفسه.
وتذكر الباحثة ريابينينا أن باكست كان هو صاحب فكرة ترشيح كوزما بيتروف-فودكين لتولي هذه المهمة التعليمية بعدما أثنى كثيرا على قدراته التشكيلية، برغم أنهما يمثلان مدرستين مختلفتين تماما في التدريس؛ إذ ارتكزت فلسفة باكست على الانفعال العاطفي والارتجال والعفوية الذاتية، بينما فرض بيتروف-فودكين معايير الصرامة والنظام والانضباط الأكاديمي. وتضيف أن باكست كان يتخوف من أن يؤدي هذا الأسلوب الصارم إلى تحويل الطلاب إلى مجرد أكاديميين جامدين، غير أن النتيجة جاءت مغايرة حيث نجح كل تلميذ في الاحتفاظ ببصمته وهويته الفنية المستقلة.
ويستقبل المتحف رواده بثلاث منصات تفاعلية مصممة لتعريف الجمهور بالمناهج الأكاديمية لأبرز الأساتذة الذين تعاقبوا على مدرسة إليزافيتا زفانتسيفا، علما أن هذه التظاهرة الفنية ستستمر في استقبال زوارها حتى الرابع من أكتوبر المقبل.





