رحلات الوفود العراقية إلى موسكو قبيل حرب الخليج الثانية ودور يفغيني بريماكوف
قراءة في كواليس الدبلوماسية السوفيتية والعراقية عشية غزو الكويت وأزمة الصواريخ الكوبية
L'essentiel
تستعرض المقالة رحلات الوفود العراقية إلى موسكو ومساعي المبعوث السوفيتي يفغيني بريماكوف لإقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت عشية حرب الخليج الثانية، وسط تحولات دولية وموقف الكرملين المعارض.
Résumé généré par IA
Pourquoi c'est important
تناول المقال العلاقات العراقية السوفيتية والجهود الدبلوماسية قبيل حرب الخليج الثانية عام 1991.
لم تنقطع رحلات الوفود العراقية إلى موسكو، رغم فرض الحظر الجوي وتواتر القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وتأييد الاتحاد السوفيتي لها بالتوافق مع الولايات المتحدة وحلفائها. فقد دخلت العلاقات بين الكرملين والبيت الأبيض مرحلة اللاعودة إلى الحرب الباردة، وتسارع الانسحاب السوفيتي من النقاط الساخنة والمواقع المثيرة للخلاف، بما فيها كوبا التي كادت عام 1962 أن تفضي إلى اندلاع حرب نووية، فيما عُرف بـ”أزمة الصواريخ الكوبية”، وهي مواجهة عسكرية وسياسية استمرت ثلاثة عشر يومًا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ووقفت الدولتان العظمتان خلالها على حافة حرب نووية مدمرة، بعد اكتشاف واشنطن صواريخ نووية سوفيتية سرية على الأراضي الكوبية القريبة جدًا من حدودها.
خلال الشهور السابقة لحرب “تحرير الكويت”، سعت قيادة غورباتشوف، عبر المبعوث الخاص للرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، يفغيني بريماكوف، إلى إقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت، في وقت كانت الحشود الأمريكية في المنطقة تتزايد استعدادًا للحرب. وكان جيمس بيكر قد هدد، في اجتماعه الأول والأخير مع طارق عزيز في جنيف، مقر الأمم المتحدة الأوروبية، بأن الحرب ستعيد العراق إلى العصر الحجري.
كانت موسكو تتابع كثافة الحشود الأمريكية، وتدرك تمامًا أن إدارة الرئيس جورج بوش الأب عازمة بالفعل على إخراج القوات العراقية بالقوة. وخلافًا لغزو واحتلال العراق عام 2003، الذي جرى بذرائع كاذبة ومن دون قرار من الأمم المتحدة، فقد تحقق إجماع دولي عشية حرب الخليج الثانية، إذ انتزعت الولايات المتحدة موافقة جميع أعضاء مجلس الأمن، على الرغم من التباينات الشكلية في مواقفهم من النظام العراقي.
رفع وزير الخارجية السوفيتي إدوارد شيفرنادزه يده في جلسة مجلس الأمن الدولي يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1990، وصوّت لصالح القرار 678، الذي منح العراق مهلة نهائية حتى 15 يناير/كانون الثاني 1991 للانسحاب الكامل من الكويت، وخوّل الدول الأعضاء استخدام “جميع الوسائل اللازمة”، بما فيها القوة العسكرية، لتنفيذ القرار 660 الصادر في الثاني من أغسطس/آب 1990، والذي طالب العراق بالانسحاب الفوري وغير المشروط من الكويت.
لم تعجب تنازلات غورباتشوف أمام الولايات المتحدة والغرب، بما في ذلك تعامله مع الملف العراقي، قسمًا كبيرًا من الجنرالات السوفييت، الذين كانوا يرون في العراق حليفًا لا ينبغي التفريط به، رغم أن غورباتشوف استغل حادث الطيار الألماني الهاوي ماتياس روست.
ففي 28 مايو/أيار 1987، نجح الطيار الألماني في اختراق المجال الجوي للاتحاد السوفيتي بطائرة صغيرة من طراز “سيسنا 172”، وهبط قرب الساحة الحمراء في موسكو، مما أحدث صدمة كبرى وإحراجًا هائلًا للقدرات العسكرية السوفيتية.
أدى الحادث إلى إقالة وزير الدفاع السوفيتي، ورئيس قوات الدفاع الجوي، ومئات الضباط الكبار، ضمن أكبر حملة تطهير في الجيش، ومنح دفعة غير مباشرة لسياسات الإصلاح التي أطلقها ميخائيل غورباتشوف، عبر إضعاف قبضة المؤسسة العسكرية التقليدية.
بيد أن المؤسسة العسكرية السوفيتية، وريثة الانتصار في الحرب العالمية الثانية على ألمانيا النازية، لم تستسلم بالكامل لإصلاحات غورباتشوف، ووجدت في جهاز أمن الدولة “كي جي بي” حليفًا طبيعيًا، كان يراقب باستياء نهج وزير خارجية غورباتشوف، الذي وصفه الكاتب المستعرب والصحفي، رئيس القسم الدولي في أسبوعية “ليتراتورنايا غازيتا” (الصحيفة الأدبية)، إيغور بيلاييف، في لقاء صحفي معنا، بأنه “مائع ويضر بمصالح الأمن القومي السوفيتي”.
ومع أن المستعرب، الذي عمل سنوات طويلة في مصر ولبنان مع زميله يفغيني بريماكوف مراسلًا في الشرق الأوسط، كان يبدو منسجمًا في كتاباته مع إصلاحات غورباتشوف، فإنه نشر مقالًا هز الأوساط العربية والإسلامية في موسكو بعنوان “الماسونية الخضراء”، حذر فيه من خطر الجماعات الإسلامية المتعاظم في الساحة السوفيتية والعالم. واكتسب المقال، المنشور على صفحة كاملة في الأسبوعية واسعة الانتشار، أهمية استثنائية لأنه بقلم مستشرق خبر العالم الإسلامي، وألّف عدة كتب، من بينها كتابه المشترك مع بريماكوف “تشريح الشرق الأوسط”، وكتاب “مصر في عهد عبد الناصر”، وغيرها من المؤلفات الدالة على معرفة عميقة بالعالمين العربي والإسلامي.
في تلك الأثناء، علمنا من بيلاييف أن غورباتشوف كان يفكر في إرسال مبعوث رئاسي خاص إلى العراق للحصول على معلومات من قناتين مختلفتين: وزارة الخارجية، ووزيرها الليبرالي ذي الميول الغربية إدوارد شيفرنادزه، وقناة مباشرة مع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي يمثلها بريماكوف، المعروف بأنه كان يتعاون مع الاستخبارات السوفيتية منذ أن كان طالبًا في معهد موسكو للدراسات الشرقية، ثم مراسلًا لصحيفة “برافدا” في عدد من البلدان العربية.
وقد اشتهر بعلاقات واسعة وقوية مع عدد من الزعماء والساسة العرب، وعُرف بدماثة خلقه وقدرته على كسب الأصدقاء.
وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، شغل مناصب رفيعة، منها وزارة الخارجية، وإدارة جهاز المخابرات الخارجية، ورئاسة الوزراء. كما كان أحد أبرز مهندسي اتفاق 11 آذار/مارس 1970 بين الحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني وحكومة البعث في العراق، عبر رحلات مكوكية بين گلالة، مقر قيادة البيشمركة الكردية، وبغداد. وأقام خلال أشهر الوساطة، التي أفضت إلى الاتفاق الذي كان يُفترض أن يضع حدًا نهائيًا للحروب بين الأنظمة العراقية المختلفة والأكراد، علاقة قوية مع صدام حسين.
رأت موسكو إمكانية الاستفادة من تلك العلاقة لإقناع صدام بالانسحاب طوعًا من الكويت قبل أن تقع الفأس في الرأس. لكن اتضح، بعد رحلات شاقة تحدث بريماكوف عنها بالتفصيل في مؤلفاته، أن العناد كان العنوان الأبرز لسياسات صدام حسين، من دون اعتبار للتحولات الإقليمية والدولية، وأنه لم يكن يستمع إلا إلى ما يوافق هواه، متجاهلًا حتى تقارير وتحذيرات أجهزته الخاصة، ونصائح أصدقائه، فضلًا عن تهديدات أعدائه الجدية.
Questions ouvertes
- ما هي التفاصيل الكاملة للمراسلات السرية بين موسكو وبغداد؟





