مستشفيات ألمانيا غير مستعدة لموجات الحر الشديدة وسط نقص التمويل
Quick Look
تُظهر المستشفيات الألمانية ضعفاً في الاستعداد لمواجهة موجات الحر الشديدة، حيث يعاني 60% منها من نقص التدابير الوقائية. يعود السبب الرئيسي إلى نقص التمويل، مما يدفع المستشفيات إلى إعطاء الأولوية للرعاية المباشرة للمرضى بدلاً من تحديث أنظمة التبريد.
AI-generated summary
Why It Matters
تشهد أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة نتيجة للتغير المناخي، مما يزيد من عدد أيام الحر الشديد في ألمانيا. تشكل الحرارة الشديدة خطراً على الصحة وتؤدي إلى زيادة الضغط على المستشفيات.
يتمتع المركز الطبي الجامعي في هامبورغ-إيبندورف بموقع متميز؛ إذ تنتشر الأشجار المعمرة في أرجاء مرافقه، وتقع حديقة عامة في الجهة المقابلة، كما تتسلق نباتات الكروم أو اللبلاب واجهات بعض المباني.
يساهم كل ذلك في مكافحة الحرارة؛ فالأشجار، على وجه الخصوص، تلطف درجات الحرارة في محيطها من خلال توفير الظل وامتصاص الحرارة من الهواء عبر عملية تبخر الماء.
وتسهم النباتات التي تغطي واجهات المباني، في تبريد الجو، بينما تحمي البناء من حرارة الشمس. يقول فرانك دزوكوفسكي، رئيس قسم الاستدامة في المستشفى: "لقد وضعنا أيضا مقاعد تحت الأشجار ليتسنى للمرضى القادرين على الحركة والزوار والموظفين قضاء بعض الوقت هناك في الظل".
وكان المستشفى الواقع في هامبورغ قد طبق خطة شاملة للحماية من الحرارة قبل ثلاث سنوات.
ارتفاع عدد أيام الحر
تشهد أوروبا ارتفاعا ملحوظا في درجات الحرارة نتيجة للتغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية، كما تسجل ألمانيا تزايدا في عدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة 30 درجة مئوية.
ففي خمسينيات القرن الماضي، كان عدد الأيام التي تشهد درجات حرارة تصل إلى 30 درجة مئوية، قليلا في معظم فصول الصيف؛ إذ كان تسجيل ثمانية أيام منها فقط يُعد مؤشرا على عام حار قياسي، في حين ارتفع هذا العدد إلى عشرة أيام بحلول ثمانينيات القرن الماضي.
وخلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بلغ العدد 19 يوما، بينما شهد العقد الماضي عاما قياسيا من حيث الحرارة سُجل فيه أكثر من 20 يوما تجاوزت فيها درجات الحرارة حاجز الـ 30 درجة مئوية.
وتشكل الحرارة الشديدة خطرا على أجسامنا، وتُعد موجات الحر -على وجه الخصوص- مصدرا للإجهاد؛ إذ تُعرف بأنها فترات ترتفع فيها درجات الحرارة لتصل إلى 30 درجة مئوية أو أكثر لعدة أيام متتالية، دون أن تنخفض عن 20 درجة مئوية خلال الليل.
كيف تضر موجات الحر بأجسامنا
يمكن للتعرض المفرط للحرارة أن ينهك نظام التبريد في الجسم، مما يؤدي إلى مشكلات مثل الطفح الجلدي أو تشنجات ربلة الساق أو تورم الساقين. ويواجه الجهاز القلبي الوعائي، على وجه الخصوص، ضغطا كبيرا؛ إذ تتراوح العواقب المحتملة بين الدوار والصداع والإرهاق وقد تصل إلى الوفاة نتيجة الإصابة بضربات الشمس القاسية.
ويمكن أن تؤدي درجات الحرارة المرتفعة، مقترنة بارتفاع الرطوبة، إلى زيادة الإصابة بالعدوى الجلدية وإعاقة التئام الجروح، لا سيما إذا أدى التغير المناخي إلى تغيير معدلات انتشار البكتيريا.
وعلاوة على ذلك، قد تؤدي الحرارة إلى تفاقم تأثيرات بعض الأدوية أو الحد منها. تُعد درجات الحرارة المرتفعة خطيرة بشكل خاص على الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عاما فما فوق، والمصابين بحالات طبية مزمنة والنساء الحوامل والرضع والأطفال الصغار.
الحرارة تؤدي إلى اكتظاظ المستشفيات
في صيفي عامي 2018 و2019 الحارين وحدهما، توفي أكثر من 15 ألف شخص في ألمانيا جراء الإجهاد الحراري. وتشير النماذج التقديرية الخاصة بألمانيا إلى احتمال حدوث أكثر من خمسة آلاف حالة وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة سنويا بحلول منتصف القرن.
بيد أن ثمة حقيقة باتت واضحة بالفعل: كلما زاد عدد أيام الحر الشديد، ازداد عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى العلاج في المستشفيات. وإلى جانب الآثار المباشرة للحرارة، تشهد الأيام الحارة أيضاً ارتفاعا في معدلات الحوادث وعدد بلاغات الطوارئ. ولكن، هل أنت محمي بما يكفي من الحرارة داخل المستشفى؟
في عام 2024، أجرى المعهد الألماني للمستشفيات مسحا شمل 289 مستشفى لمعرفة ما إذا كانت قد طبقت تدابير متعلقة بالحرارة أكثر عدداً، أو أكثر استهدافا، مقارنة بالعام السابق؛ وقد جاءت إجابة 60 في المائة منها بالنفي.
مستشفيات ألمانيا ليست مستعدة
يُعد نقص التمويل السبب الرئيسي الذي يحول دون توفير حماية أفضل من الحرارة في المستشفيات، وهو رأي يشاركه فيه 96 في المائة من جميع المشاركين في الاستطلاع.
كما أن الأعباء الإدارية الكبيرة تثني العديد من العيادات عن اتخاذ المزيد من التدابير للحماية من الحرارة؛ إذ يشير التقرير إلى أن هذه العيادات "لديها حالياً أولويات أخرى في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة".
ووفقاً للاتحاد الألماني للمستشفيات، فإنه لن يطرأ تغيير يُذكر على هذا الوضع عام 2026 أيضا؛ إذ تمثل هذه الجمعية غير الربحية -بصفتها منظمة جامعة- مصالح المستشفيات في ألمانيا.
ينتقد غيرالد غاس، رئيس الاتحاد الألماني للمستشفيات، تقاعس الولايات الفيدرالية -على مدى عقود- عن الوفاء بالتزامها بتغطية التكاليف التي تتكبدها المستشفيات.
ويقول إنه "من الناحية العملية، يعني هذا غالبا أن المستشفيات توظف مواردها المالية المحدودة في الرعاية المباشرة للمرضى -مثل شراء المعدات أو تمويل إصلاحات عاجلة- بدلا من تحديث أنظمة تكييف الهواء".
وتجد المستشفيات نفسها مضطرة للبحث عن سبل لتوفير التبريد دون تكبد نفقات باهظة.
مزيد من الأموال
وفي الواقع، تتوفر بالفعل قوائم عديدة تتضمن نصائح للتعامل مع الحرارة مثل ملابس العمل الخفيفة، وأغطية الأسرة الرقيقة، والوجبات المناسبة للأجواء الحارة، أو تركيب موزعات لمياه الشرب.
ومع ذلك، يقول غاس إن "توفير حماية فعالة حقا للمستشفى ومرضاه وطواقمه أثناءموجات الحر يتطلب استثمارات".
وعلى وقع ذلك، تدعو الجمعية الألمانية للمستشفيات صناع القرار إلى تنفيذ برنامج استثماري مناخي على مدى سنوات بقيمة 31 مليار يورو، حيث يُعتزم تخصيص جزء من هذه الأموال لتدابير الحماية من الحرارة.
بُنيت معظم المستشفيات الألمانية في وقت كانت فيه موجات الحر لا تزال أمرا استثنائيا؛ ونتيجة لذلك، فهي تفتقر بشكل عام إلى أنظمة تكييف الهواء. وقال فرانك دزوكوفسكي إنه حتى في المركز الطبي الجامعي في هامبورغ، لا تتوفر مكيفات الهواء إلا في مناطق محددة مثل وحدات العناية المركزة وغرف العمليات.
وأضاف أنه تم تركيب أنظمة خارجية للحماية من أشعة الشمس على المبنى الرئيسي الذي يضم نحو نصف إجمالي أسرة المرضى؛ قائلا إنه "في الحالات التي يتعذر فيها ذلك، يمكن تركيب عناصر تظليل داخلية أو أغشية للتحكم في الإشعاع الشمسي للحد من اكتساب الحرارة وتأثير الإشعاع الشمسي".
كان يتم -كلما أمكن ذلك- إيواء المرضى الذين يعانون من حالات صحية حرجة أو ضعف شديد في غرف لا ترتفع درجة حرارتها بسرعة، بينما كان من الممكن خفض درجة حرارة غرف الموظفين نوعا ما عن طريق تهويتها خلال الليل.
ويرى دزوكوفسكي أنه من المهم أن تحدد خطة الحماية من الحرارة ليس فقط التدابير الفردية، بل أيضا المسؤوليات، وأن تعمل على تقييم التجارب الملموسة.
خطط للحماية من الحرارة
في مستشفى "شاريتيه" ببرلين، جرت محاكاة لمسألة "الحماية من الحرارة في ظل ظروف قاسية"، ووُضعت خطط أولية للتعامل معها.
وتمحور السؤال حول ما إذا كان بإمكان المستشفى مواصلة تقديم الرعاية الطبية أثناء موجة حر شديدة وممتدة. أما السيناريو المعتمد لهذا الغرض، فقد تمثل في درجات حرارة قياسية تتجاوز 40 درجة مئوية وتستمر لعدة أسابيع، مصحوبة بليالٍ استوائية لا تشهد أي انخفاض في درجات الحرارة.
كما أن معظم أجنحة مستشفى "شاريتيه" غير مجهزة بأنظمة تكييف الهواء؛ ونتيجة لذلك، أعدت المستشفى "خريطة حرارية" تصنف مناطق المبنى بناءً على درجات الحرارة داخل الغرف، مميزة بين المناطق عالية الخطورة التي ترتفع حرارتها بسرعة والمساحات الباردة التي يمكن للموظفين والمرضى اللجوء إليها لأخذ استراحة مؤقتة من الحرارة.
وفق مستشفى "شاريتيه"، فإنه من المرجح أن تشهد أقسام الطوارئ ضغطا هائلا يفوق طاقتها الاستيعابية خلال موجات الحر الشديدة. كما ينبغي توقع حدوث نقص في الكوادر العاملة؛ إذ قد يتعرض الموظفون أنفسهم للمرض أو يضطرون لرعاية أسرهم في حال إغلاق المدارس أو دور الرعاية بسبب الحرارة.
وتشمل الحلول المحتملة تعديل جداول المناوبات وإسناد بعض المهام لجهات خارجية وتأجيل العمليات الجراحية وعلاجات العيادات الخارجية.
خلص فريق إدارة الأزمات في مستشفى "شاريتيه" إلى ضرورة تعزيز استعداد المستشفيات لمواجهة موجات الحر الشديد؛ إذ أن الوضع الراهن لا يتيح للمرافق الطبية ضمان تقديم الرعاية الصحية على النحو الملائم أثناء أزمات الحرارة.
وفي ضوء ذلك، يتعين على صناع القرار وضع الإطار اللازم وتوفير الدعم الموجه لتحديث المستشفيات وجعلها أكثر قدرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية.
أعدته للعربية: ايمان ملوك
تحرير: محمد فرحان
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
زيادة حالات الوفاة المرتبطة بالحرارة في ألمانيا بحلول منتصف القرن.
Likely · Medium term
Open Questions
- متى سيتم تخصيص التمويل اللازم لتحديث المستشفيات؟
- ما هي الآثار طويلة الأمد لنقص الاستثمار في التكيف المناخي بالمستشفيات؟



