ابتكارات علمية واعدة: من علاج العقم إلى فهم التوحد والذكاء الاصطناعي
Quick Look
تتناول المقالة ثلاثة اكتشافات علمية بارزة: تقنية جديدة لإنتاج الحيوانات المنوية لعلاج العقم، تحديد جين مرتبط بسمات التوحد، ودور شركة جوجل ديب مايند في الاستعداد لتطور الذكاء الاصطناعي.
AI-generated summary
Why It Matters
تتناول المقالة ثلاثة مجالات علمية متقدمة: تقنية جديدة واعدة لعلاج العقم، اكتشاف جيني قد يفسر بعض جوانب اضطراب طيف التوحد، وجهود شركة جوجل ديب مايند للاستعداد لتطور الذكاء الاصطناعي.
العقم ليس موضوعاً يُحب الرجال التحدث عنه، ولكنه شائع جداً، إذ يُعاني نحو واحد من كل عشرة أزواج من مشاكل في الإنجاب، وفي نصف الحالات يكون السبب كلياً أو جزئياً متعلقاً بالحيوانات المنوية (الحيامن). وفي كثير من الحالات، لا تُجدي العلاجات الحالية نفعاً، لكن شركة ناشئة أميركية تُدعى «باتيرنا بيوساينسز» تعتقد أنها قادرة على تغيير هذا الواقع، كما كتب مايكل لو بيج في مجلة «نيوساينتست».
إنتاج عينات من «الحيامن»
هناك أسباب عديدة قد تجعل الرجال يُعانون من صعوبة الإنجاب. قد يكون لديهم عدد قليل من الحيوانات المنوية، أو قد لا تتمكن حيواناتهم المنوية من اختراق البويضة، وما إلى ذلك. في هذه الحالات، عادة ما ينجح حقن الحيوانات المنوية مباشرة في البويضة كونه جزءاً من علاج التلقيح الصناعي.
إلا أن نحو واحد من كل مائة رجل لا يحتوي سائله المنوي على أي حيوانات منوية على الإطلاق. قد يكون سبب هذا النقص وجود انسداد ما، يمنع الحيوانات المنوية من الوصول إلى البروستاتا. في هذه الحالات، عادة ما يكون من الممكن إزالة الانسداد أو الحصول على الحيوانات المنوية مباشرة من الخصيتين.
لكن في معظم الحالات التي لا يحتوي فيها السائل المنوي على حيوانات منوية، فإن ذلك يعود إلى قلة إنتاجها في الخصيتين أو انعدامه. وهنا يأتي دور شركة «باتيرنا» للعلوم الحيوية. ويقول أليكس باستوزاك، المؤسس المشارك ورئيس الشركة، إن الشركة قادرة على أخذ عينات صغيرة من أنسجة الخصيتين وإنتاج «عدد يتراوح بين بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف من الحيوانات المنوية» من كل عينة.
وتؤكد الشركة أن الحيوانات المنوية التي استخلصتها قادرة على تخصيب بويضات بشرية، التي تطورت إلى أجنة في مراحلها المبكرة. ويوضح باستوزاك أن فريق «باتيرنا» قادر على تحقيق ذلك؛ لأنه حدد الإشارات التي تحفز الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية على بدء تكوينها. وتستغرق هذه العملية نحو شهر في المختبر.
لم تقدم «باتيرنا» أي دليل يدعم ادعاءاتها حتى الآن، ويقول باستوزاك إن الأمر يتعلق بحماية الملكية الفكرية. وإذا كانت «باتيرنا» قد حققت ما تدّعيه، فالسؤال التالي هو: هل هذا آمن؟
محاذير ومخاطر
تتكون الحيوانات المنوية من خلايا جذعية في الخصيتين. وعندما تنقسم هذه الخلايا الجذعية إلى خليتين، تبقى إحداهما خلية جذعية، بينما تنقسم الأخرى لتكوين أربع حيوانات منوية عبر عملية تُسمى الانقسام الاختزالي، حيث تتبادل الكروموسومات أجزاءً من الحمض النووي.
يقول مايلز ويلكنسون، من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، الذي يدرس الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية: «هذا وضع خطير للغاية». فعندما ينكسر الحمض النووي، هناك خطر من عدم إعادة تركيبه بشكل صحيح، لذا من المهم جداً عدم تعطيل عملية الانقسام الاختزالي.
إلا أن باستوزاك يقول إن الحيوانات المنوية المُستنبتة مختبرياً تبدو طبيعية. ويضيف: «لقد أثبتنا أن الحيوانات المنوية التي نُنتجها في المختبر تُشبه جزيئياً الحيوانات المنوية التي تُنتج (في الخصيتين) تماماً».
بافتراض أن تقنية «باتيرنا» آمنة، فإن السؤال الأهم التالي هو: ما نسبة الرجال المصابين بالعقم الذين يمكن أن تُساعدهم هذه التقنية؟ فبعض الرجال الذين لا يُنتجون حيوانات منوية يفتقرون إلى الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية تماماً، ومن المؤكد أن هذه التقنية لن تُجدي نفعاً معهم. أما لدى البعض الآخر فإن الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية لا تتحول إلى حيوانات منوية، ومن المرجح أن تكون الطفرات هي السبب في كثير من الحالات.
يقول جيرت هامر، من معهد أمستردام لأبحاث التكاثر والتطور في هولندا، إنه إذا كانت الطفرة تعيق الانقسام الاختزالي في الخصيتين، فمن المرجح أن تعيقه أيضاً في المختبر.
لكن باستوزاك يدّعي أن فريقه تمكن من استخلاص الحيوانات المنوية في المختبر من رجال لا ينتجون أي حيوانات منوية في خصيتيهم. ويعزو ذلك إلى وجود طفرات لديهم تمنع الخلايا الداعمة من تحفيز الانقسام الاختزالي، كما يقول، وبالتالي فإن توفير الإشارات الصحيحة يسمح بتكوين الحيوانات المنوية.
ومع ذلك لا يوجد لدينا دليل يدعم هذا... لكن الأمل هو أن تكون الشركة على صواب، لأن الكثير من الأزواج قد يستفيدون إذا كان كذلك. ولكن ماذا لو كان «باتيرنا» مخطئة؟ حسناً، ثمة حل محتمل؛ وهو استخدام تقنية كريسبر لتعديل الجينات لتصحيح الطفرة المسببة للعقم في الخلايا الجذعية للحيوانات المنوية، ما يُمكّنها من التحول إلى حيوانات منوية، وبالتالي ولادة أطفال مُعدّلين جينياً لا يحملون هذه الطفرة الضارة.
ولكن هذا ليس بالأمر الهين، ففي معظم الحالات فإننا لا نملك فكرة واضحة عن الطفرة المُسببة للعقم، بل مجرد بعض الارتباطات غير المؤكدة. ومع ذلك، وفي الحالات التي نستطيع فيها تحديد الطفرة بدقة، يكون استخدام تعديل الجينات في الخلايا الجرثومية لهذا الغرض مُبرراً في الواقع.
ولا تستبعد «باتيرنا» هذا الخيار. ويقول باستوزاك: «لن أستبعده تماماً، لأنني أعتقد أن العلم والتكنولوجيا سيواصلان التقدم، والهدف هنا هو مساعدة الكثير من الناس».
في اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لأحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً، نجح باحثون كنديون في تحديد جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط مباشرة بالسمات الأساسية لاضطراب طيف التوحد مثل صعوبات التفاعل الاجتماعي والسلوكيات التكرارية دون أن يؤثر في الذكاء أو القدرات المعرفية الأخرى.
جينات «غير مشفرة»
وتأتي أهمية هذا الاكتشاف من كونه يسلط الضوء على جزء من الحمض النووي ظل مهمشاً لعقود طويلة. فبينما ركز معظم الأبحاث السابقة على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات كشفت الدراسة الجديدة أن بعض الجينات غير المشفرة قد تلعب دوراً حاسماً في تشكيل السلوك البشري.
الدراسة التي قادها باحثون كنديون بقيادة ستيفن شيرر بمركز علم الجينوم التطبيقي برنامج علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم في مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو بأونتاريو، ونُشرت في مجلة «Nature» العلمية بتاريخ 13 مايو (أيار) 2026، ركزت على جين يُعرف باسم PTCHD1 – AS يقع على الكروموسوم إكس X (الأنثوي). ورغم أنه لا ينتج بروتينات فإنه يعمل باعتباره منظماً لنشاط جينات أخرى داخل الخلايا العصبية.
* لماذا يعد الاكتشاف مهماً؟ يُعد اضطراب طيف التوحد من أكثر الاضطرابات النمائية انتشاراً ويتميز بدرجات متفاوتة من صعوبات التواصل الاجتماعي وأنماط السلوك المتكررة. ورغم التقدم العلمي الكبير لا تزال الآليات البيولوجية الدقيقة التي تقف وراء هذه السمات غير مفهومة بالكامل. وحتى الآن ربط العلماء نحو مائة جين بالتوحد إلا أن معظمها يؤثر في مجموعة واسعة من الوظائف الدماغية بما في ذلك التعلم والقدرات الإدراكية. أما الجين الجديد فيبدو مختلفاً؛ إذ تشير النتائج إلى أنه يرتبط تحديداً بالسلوك الاجتماعي والتكراري وهما السمتان الأكثر تميزاً في التوحد. ويقول الباحثون إن هذا التحديد الدقيق قد يساعد مستقبلاً على تطوير علاجات تستهدف الأعراض الأساسية للاضطراب بدلاً من التأثير على وظائف دماغية أخرى.
* أدلة من آلاف الأشخاص. اعتمد الفريق العلمي على تحليل بيانات وراثية لأكثر من 9300 شخص من قواعد بيانات عالمية. وكشفت النتائج أن حذف أجزاء من الجين PTCHD1 - AS كان مرتبطاً بزيادة احتمالية الإصابة بالتوحد لدى الذكور.
ويعتقد العلماء أن ظهور التأثير بشكل أوضح لدى الذكور يعود إلى وجود نسخة واحدة فقط من الكروموسوم «إكس» لديهم بينما تمتلك الإناث نسختين، ما يوفر نوعاً من الحماية الجينية في بعض الحالات.
وللتأكد من النتائج أجرى الباحثون تجارب على نماذج حيوانية جرى فيها تعطيل الجين نفسه.
وكانت النتيجة لافتة، إذ أظهرت الحيوانات تغيرات واضحة في التفاعل الاجتماعي وزيادة في السلوكيات التكرارية، بينما بقيت قدراتها على التعلم والانتباه والذاكرة طبيعية.
فهم أعمق للدماغ
* ماذا يحدث داخل الدماغ؟ عند دراسة أدمغة هذه النماذج اكتشف العلماء أن غياب الجين يؤثر في منطقة تُعرف باسم «المخطط الدماغي» وهي منطقة تلعب دوراً مهماً في تنظيم السلوك والعادات الحركية.
كما رصد الباحثون تغيرات في عملية «اللدونة المشبكية» synaptic plasticity وهي قدرة الدماغ على تعديل الروابط بين الخلايا العصبية استجابة للتجارب المختلفة. وتُعد هذه العملية أساسية للتعلم والتكيف مع البيئة.
إضافة إلى ذلك ظهرت تغيرات في الجينات والبروتينات المرتبطة بتكوين غمد الميالين وهو الغلاف الذي يسرّع انتقال الإشارات العصبية بين الخلايا. وتشير هذه النتائج إلى أن الجين يؤثر في دوائر عصبية محددة ترتبط مباشرة بالسلوك الاجتماعي والسلوكيات النمطية.
ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تتجاوز اكتشاف جين جديد مرتبط بالتوحد. فهي تقدم نموذجاً لفهم كيفية ارتباط جينات محددة بسمات سلوكية معينة وهو ما قد يساهم في تطوير علاجات أكثر دقة وشخصية في المستقبل.
* فهم أعمق للسلوك البشري. ويأمل الفريق العلمي في مواصلة دراسة المسارات الجزيئية والخلوية التي يتحكم بها هذا الجين بهدف تحديد أهداف علاجية محتملة تساعد في تخفيف الأعراض الأساسية للتوحد لدى الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من هذه التدخلات.
تكشف هذه الدراسة جانباً مدهشاً من علم الوراثة الحديث وهو أن أجزاء من الحمض النووي كانت تُعتبر في الماضي عديمة الوظيفة قد تكون مسؤولة عن جوانب أساسية من شخصياتنا وسلوكياتنا.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات عملية فإن الاكتشاف يضيف قطعة مهمة إلى لغز التوحد المعقد ويقرب العلماء خطوة أخرى من فهم الكيفية التي تشكل بها الجينات طريقة تفاعلنا مع العالم من حولنا.
تشغل ليلى إبراهيم في «غوغل ديب مايند» منصباً لم يكن موجوداً من قبل: رئيسة قسم الاستعداد للذكاء الاصطناعي، حيث تُركز على كيفية إعداد العالم للتطور السريع للذكاء الاصطناعي. وهي تُساعد الحكومات على التفكير في السياسات، وتُعزز فهم الجمهور للذكاء الاصطناعي، وتعمل على ضمان استخدام «جوجل» للذكاء الاصطناعي بمسؤولية.
وتقول ليلى إبراهيم، التي شغلت سابقاً منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في «ديب مايند» لمدة ثماني سنوات تقريباً: «أتمنى لو كان المزيد من الناس يُجرون هذا النوع من الحوارات، لأنني أعتقد أن لدينا القدرة على التأثير في كيفية تشكيل هذا المجال».
تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي
يتضمن جزء من العمل تحسين الوعي بالذكاء الاصطناعي. تقول: «إن كنت لا تستخدمه، فلن تُتاح لك الفرصة لاتخاذ قرارات مدروسة بشأن المجالات التي تشعر فيها بالراحة عند استخدامه أو عدم استخدامه، أو كيفية تطوير الأمور».
وتتساءل: «كيف يمكننا أن نُساعد المعلمين على الشعور بالراحة عند التعامل مع البرمجة وإنشاء أدوات لفصولهم الدراسية؟»، و«كيف نتعاون مع صانعي السياسات لفهم الذكاء الاصطناعي؟».
تمارين ميدانية في سنغافورة
وفي وقت سابق من هذا العام، قاد فريقها تمريناً تمثيلياً مع مسؤولين في سنغافورة، لمساعدتهم على دراسة كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُعيد تشكيل اكتشاف الأمراض، وما قد يعنيه ذلك لإصلاح نظام الرعاية الصحية أو الحاجة إلى مؤسسات علمية جديدة. في هذا التمرين، المشابه لأعمال الشركة في أماكن أخرى.
وقد اقترح المسؤولون بعض السياسات، ثم درسوا كيف يمكن أن يتغير المشهد بعد عامين، ما قد يُحفز تغييرات إضافية في السياسات. كما يعمل فريقها مع الحكومات لتقييم كيفية تأثير الذكاء الاصطناعي الفاعل على الوظائف، وأين قد تكون هناك حاجة إلى إعادة تأهيل المهارات.
وتقول: «نحن نعرف إلى أين تتجه التكنولوجيا، لذا يمكننا التعامل مع هذه المحادثات بطريقة أكثر تعاوناً، مدركين أن التكنولوجيا لم تصل بعد، ولكن ما الذي نحتاج إلى فعله للاستعداد لما هو قادم؟
* مجلة «فاست كومباني».
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
تطوير علاجات أكثر دقة للتوحد تستهدف الأعراض الأساسية.
Likely · Medium term
استخدام تقنيات تعديل الجينات مثل كريسبر لعلاج بعض حالات العقم الوراثي.
Possible · Long term
Open Questions
- ما مدى أمان تقنية باتيرنا على المدى الطويل؟
- هل يمكن تطبيق تقنية كريسبر لعلاج العقم بنجاح؟
- ما هي الآثار طويلة المدى لاكتشاف جين التوحد؟




