Son Dakika
TRDSÖ Başkanı Ghebreyesus'tan Avrupa'daki Sıcak Hava Dalgasına İlişkin AçıklamaCRYPTO-FREssence trop chère : Trump ordonne une enquête sur les prix des pétroliersFRIA et cabinets : la révolution qui met les consultants sous pressionRUPutin Inspects New Russian Aircraft Models in ZhukovskyGLOBALDan Evans' Singles Career Ends at Wimbledon QualifiersBRSTF cria grupo de estudos para propor melhorias no sistema de JustiçaCN2026 World Cup Group Stage: 7 Teams Qualify Early, 5 EliminatedTRİsrail'in Ateşkese Rağmen Saldırıları Devam Ediyor: Yasin Ailesi Beşinci Kez Yerinden EdildiTRParkinson Hastalığına Karşı Tarihi Zafer: Akıllı Beyin Pili Hastaları Yeniden YürütüyorTRSilvan'da Filistinlilere Destek Gösterisi DüzenlendiTRDSÖ Başkanı Ghebreyesus'tan Avrupa'daki Sıcak Hava Dalgasına İlişkin AçıklamaCRYPTO-FREssence trop chère : Trump ordonne une enquête sur les prix des pétroliersFRIA et cabinets : la révolution qui met les consultants sous pressionRUPutin Inspects New Russian Aircraft Models in ZhukovskyGLOBALDan Evans' Singles Career Ends at Wimbledon QualifiersBRSTF cria grupo de estudos para propor melhorias no sistema de JustiçaCN2026 World Cup Group Stage: 7 Teams Qualify Early, 5 EliminatedTRİsrail'in Ateşkese Rağmen Saldırıları Devam Ediyor: Yasin Ailesi Beşinci Kez Yerinden EdildiTRParkinson Hastalığına Karşı Tarihi Zafer: Akıllı Beyin Pili Hastaları Yeniden YürütüyorTRSilvan'da Filistinlilere Destek Gösterisi Düzenlendi
Newsgather
Geriالروائية الكويتية منيرة العيدان توثق هجرات نجد إلى الكويت في روايتها "جلوات سدير"
الروائية الكويتية منيرة العيدان توثق هجرات نجد إلى الكويت في روايتها "جلوات سدير"
Kültür
الشرق الأوسط23.05.2026Kültür17 dk okumaArgentina

الروائية الكويتية منيرة العيدان توثق هجرات نجد إلى الكويت في روايتها "جلوات سدير"

Hızlı Bakış

تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان في روايتها الجديدة «جلوات سدير» ذاكرة الرمل ومعاناة الرحيل، موثقة الهجرات من نجد إلى الكويت، مستلهمة أحداثها من قصص عائلية وروايات شفهية ومؤرخين.

Yapay zekâ özeti

Neden Önemli?

تتناول المقالة رواية "جلوات سدير" للروائية الكويتية منيرة العيدان، التي توثق هجرات نجد إلى الكويت، وتستعرض أعمالها الأخرى. كما تتطرق إلى رواية "زمن حمودة الأخير" لعباس سليمان، وتحلل شخصية حمودة ومعاناته مع فقدان الذاكرة، وتستذكر الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة.

Yazı boyutu

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً للكتابة، كاشفاً عن معاناته، وتحولاته النفسية والاجتماعية داخل فضاءات مختلفة. وقد تنوعت موضوعات الرواية التونسية بين قضايا الهوية، والعلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، مع اعتمادها على تقنيات سردية تعكس عمق التجربة الإنسانية، وتفاصيل الحياة اليومية، كما برز الاهتمام بالشخصيات الهامشية التي تعيش حالة من الضياع، والتنقل، مما منح الرواية بعداً إنسانياً واقعياً مميزاً.

وفي هذا السياق تندرج رواية «زمن حمودة الأخير»، التي تقدم صورة إنسانية لشخصية حمودة، ذلك الشيخ الذي يجد نفسه في رحلة تيه وترحال بين أمكنة متعددة، فيعيش تجارب مختلفة تكشف هشاشة الإنسان، ووحدته في مواجهة الحياة.

تجليات التيه

يتجلى التيه في رواية «زمن حمودة الأخير» من خلال شخصية حمودة التي تعاني اضطراب الذاكرة، ومرض ألزهايمر، ما جعلها تعيش حالة دائمة من الضياع، وفقدان الإدراك. فقد أصبح يتنقل بين الأمكنة دون وعي كامل بما يفعله، أو بالغاية من تحركاته، فيغادر مكاناً نحو آخر مدفوعاً بذاكرة متآكلة لم تعد قادرة على حفظ تفاصيل حياته، أو ربطه بواقعه. ومن هنا تحول التيه من مجرد حالة نفسية إلى تجربة وجودية يعيشها الجسد، والوعي معاً.

جاء في النص: «خرج مثل هبة الهواء. ولم يلتفت إلى صوت النداء يلاحقه؛ فقد كان صياح الشارع من كل الأصوات. ثم عبر زقاقاً طويلاً لا تذكره إلا قدماه. وكان ذلك الزقاق ينتهي عند محطة سيارات الأجرة، وهي محطة واسعة لا تفصلها عن داره غير مئات الأمتار». ص10.

كان حمودة يتحرك بلا هدف واضح، مدفوعاً بذاكرة متآكلة أفقدته القدرة على التمييز بين الأمكنة والأشخاص. فقد بدا كأنه يسير داخل عالم غامض لا يعرف ملامحه، ويتنقل من فضاء إلى آخر دون أن يدرك حقيقة ما يفعله، أو سبب وجوده في تلك الأماكن.

صور الكاتب حمودة بوصفه شخصية ضائعة فقدت صلتها بالعالم، وبذاتها، فلم تعد قادرة على تذكر تفاصيل حياتها، أو فهم ما يجري حولها، الأمر الذي جعلها تعيش عزلة نفسية عميقة: «حدق حمودة في الوجوه واحداً واحداً، يفتش عن وجه يربطه بما بقي من ذاكرته. تمنى لو عرف واحداً منهم. أعاد النظر مرة بعد مرة، لكنه لم يجد: لا عين تشبه عين أبيه، ولا وجه يذكره بأعمامه، ولا ملامح تلوح فيها أمه. حتى الأبدان بدت غريبة، كأن رأسه المنهك لا يملك لها صورة واحدة يستند إليها». ص56.

وهكذا أصبح التيه جزءاً من تكوينه الداخلي، لا يقتصر على ضياعه في المكان فحسب، وإنما يمتد إلى ضياع الوعي، والهوية، والذاكرة. ومن هنا تحولت الشخصية إلى صورة إنسانية مأزومة تجسد هشاشة الإنسان حين يفقد ذاكرته، وقدرته على الإمساك بحقائق حياته.

ويظهر التيه المكاني من خلال تنقل الشخصية المستمر بين الفضاءات، إذ تبدو الأمكنة غريبة، ومشوشة، ولا تمنحه الإحساس بالأمان، والاستقرار، فالمكان في الرواية صار انعكاساً لفقدان الذاكرة، وتشظي الإدراك، لذلك بدا حمودة كأنه يعيش غربة داخل الأمكنة التي كان يعرفها من قبل.

كما يتجلى التيه النفسي في حالة القلق والتشتت التي تلازم الشخصية نتيجة عجزها عن استيعاب ما يحدث حولها. فقدان الذاكرة جعله يعيش صراعاً داخلياً بين بقايا الماضي، وضبابية الحاضر، الأمر الذي عمّق شعوره بالوحدة، والانفصال عن العالم: «مر صوت بطاقة الهوية بمحاذاة حجر أصم. لم يلتقط الكلمة كاملة، بل التقط منها هوية فقط. عندها ارتج شيء في صدره: أي هوية؟ وأين تحفظ؟ ومن أي جيب تخرج؟ ظل يبكي، لا لأنه اختار البكاء، بل لأن الدموع كانت آخر وثيقة بقيت له حين ضاع الاسم». ص 96.

لقد أصبح عاجزاً عن فهم ما يدور حوله، واستيعاب حقيقة وضعه، الأمر الذي ولد داخله إحساساً بالعجز، والانكسار، كما بدت الشخصية مثقلة بالحيرة، والارتباك، وتتأرجح بين لحظات من التذكر الخافت، وحالات من النسيان التام، فتفقد قدرتها على التواصل الطبيعي مع الواقع، وقد جعل هذا الاضطراب النفسي حمودة يعيش عزلة داخلية عميقة، حيث يتحرك في الحياة بجسد حاضر، ووعي متشتت متشظٍ، حتى غدا أسير ذاكرة تتلاشى شيئاً فشيئاً، وهو ما منح الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الوعي، وتفكك الذات.

البعد الإنساني

يتمثل البعد الإنساني في شخصية حمودة من خلال المعاناة العميقة التي يعيشها إثر تشظي ذاكرته، وفقدانه التدريجي لقدرته على إدراك العالم من حوله، إذ قدمه الكاتب بوصفه إنساناً هشاً يواجه قسوة المرض والعجز في صمت مؤلم. فقد تحولت حياة حمودة إلى رحلة شاقة داخل متاهة النسيان، حيث يبحث فيها عن ذاته، وعن بقايا تفاصيله القديمة التي بدأت تتسرب من ذاكرته دون قدرة على استرجاعها. تكشف الرواية من خلال هذه الشخصية حجم الألم النفسي الذي يرافق الإنسان حين يفقد علاقته بالمكان، والناس، والذكريات.

يظهر البعد الإنساني في حالة الضعف التي تطغى على الشخصية، إذ لم يعد حمودة قادراً على حماية نفسه، أو فهم ما يحدث حوله، الأمر الذي جعله يعيش حالة دائمة من التشتت، والارتباك، والخوف. وقد نجح الكاتب في تصوير هذه المعاناة بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يشعر بعمق المأساة الإنسانية التي يعيشها الإنسان حين تنهار ذاكرته، ويتحول الماضي إلى صورة مبعثرة لا يستطيع الإمساك بها، وتعكس الشخصية كذلك حاجة الإنسان الدائمة إلى الأمان، والاحتواء، فحمودة لم يكن يبحث فقط عن مكان يذهب إليه، وإنما كان يبحث بصورة غير واعية عن معنى يربطه بالحياة، وعن شعور يخفف غربته الداخلية.

ومن خلال هذه التجربة قدمت الرواية صورة إنسانية مؤلمة عن الشيخوخة، والوحدة، والانكسار. إذ بدا حمودة نموذجاً للإنسان الذي تبتلعه العزلة تدريجياً، فيجد نفسه عاجزاً عن التواصل مع الآخرين، أو الحفاظ على توازنه النفسي، والاجتماعي. وقد منح الكاتب الشخصية أبعاداً إنسانية عميقة جعلتها تتجاوز حدود التجربة الفردية لتعبر عن مأساة إنسانية عامة تكشف هشاشة الإنسان أمام المرض، والزمن، وتحولات الحياة.

حمودة شخصية تحمل انكسارات داخلية، وأحلاماً مؤجلة، وصراعاً دائماً مع واقع يزداد قسوة. وهو يبدو إنساناً مثقلاً بالتجارب التي صنعت هشاشته النفسية، وأثقلت نظرته إلى العالم، فيتحرك داخل الرواية محاولاً التشبث ببقايا المعنى وسط التحولات التي تفرضها الحياة عليه.

تتجلى رواية «زمن حمودة الأخير» لعباس سليمان بوصفها نصاً إنسانياً استطاع أن يكشف مأساة الإنسان أمام هشاشة الذاكرة، وقسوة الزمن، من خلال شخصية حمودة التي تحولت إلى صورة حية للضياع النفسي، والوجودي. فقد نجح الكاتب في تصوير معاناة الإنسان حين يفقد ارتباطه بالأمكنة، والوجوه، والذكريات، فيصبح أسير عالم مضطرب تختلط فيه الحقيقة بالوهم، ويتحول الماضي إلى شظايا متناثرة يعجز الوعي عن الإمساك بها. وقد أبرزت الرواية حالة التيه التي عاشتها الشخصية عبر تنقلاتها المستمرة، وبحثها الدائم عن مكان يحتويها، أو يمنحها الإحساس بالأمان، غير أن هذا البحث ظل مفتوحاً على الفراغ، والقلق، والانكسار.

كما كشفت الرواية أبعاداً إنسانية مؤثرة من خلال تصوير العزلة التي يعيشها الإنسان عندما يتآكل وعيه، وتضعف قدرته على التواصل مع العالم، فتغدو الحياة سلسلة من اللحظات المشوشة التي تفقد معناها تدريجياً. وقد استطاع الكاتب عباس سليمان أن يمنح الشخصية عمقاً نفسياً جعل القارئ يلامس حجم الألم الداخلي الذي يرافق فقدان الذاكرة، فحمودة لم يكن مجرد شخصية روائية تعاني مرضاً عضوياً، وإنما كان تجسيد إنسان أنهكه الزمن، وأفقده توازنه النفسي، والاجتماعي، والوجودي.

اعتمد الكاتب على لغة تأملية، وسرد وصفي دقيق مكنه من نقل التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من توتر، وحزن، وقلق، فبدت الرواية فضاء للكشف عن هشاشة الإنسان أمام التحولات القاسية التي قد تسلبه ذاكرته، وهويته، وإحساسه بالحياة. ومن هنا اكتسب النص قيمته الفنية، والفكرية، إذ تجاوز حدود الحكاية الفردية ليعبر عن معاناة إنسانية شاملة ترتبط بالخوف من الفقد، والنسيان، والوحدة.

*كاتبة جزائرية.

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأ

Açık Sorular

  • ما هي تفاصيل الجزء الثاني من رواية "جلوات سدير"؟
  • ما هي ردود الفعل الأولية على رواية "زمن حمودة الأخير"؟
  • ما هي أبرز الأعمال الشعرية للشاعرة لميعة عباس عمارة؟

İlgili Konular

Bu haber ilk olarak şurada yayınlandı: الشرق الأوسط.

İlgili Haberler

مجد معوض: من طب الأسنان إلى الأوركسترا.. قصة غيتار في عالم السينما
Kültür·1 g önce

مجد معوض: من طب الأسنان إلى الأوركسترا.. قصة غيتار في عالم السينما

يُعيد الموسيقي مجد معوض تقديم ألبومه "قصة كبيرة" بحلّة أوركسترالية جديدة، بعد أن قدّمه سابقاً بالغيتار المنفرد. يمزج معوض بين مهنته كطبيب أسنان وشغفه بالموسيقى، مستلهماً من الموسيقى التصويرية للأفلام، ومستخدماً الغيتار كآلة أساسية في أعماله.

الشرق الأوسط
مسرحية "كيف يولد الأبطال" تُعرض في روسيا بمناسبة الذكرى الـ 85 للحرب الوطنية العظمى
Gelişiyor·1 g önce

مسرحية "كيف يولد الأبطال" تُعرض في روسيا بمناسبة الذكرى الـ 85 للحرب الوطنية العظمى

مسرحية "كيف يولد الأبطال" تُعرض في روسيا، مستوحاة من رسائل المقاتلين في العملية العسكرية الخاصة، وتُبرز قيم حب الوطن والتضحية. العمل الأول من نوعه في المعاهد المسرحية الروسية، وقد عُرض في عدة مدن تمهيداً لجولات مستقبلية.

RT عربي
وفاة المنتج الموسيقي الأسطوري كلايف ديفيس عن 94 عامًا
Gelişiyor·2 g önce

وفاة المنتج الموسيقي الأسطوري كلايف ديفيس عن 94 عامًا

توفي المنتج الموسيقي الشهير كلايف ديفيس، الملقب بـ "الرجل ذو الأذن الذهبية"، عن عمر يناهز 94 عامًا. ارتبط اسمه باكتشاف وتطوير مسيرة عدد من أبرز نجوم الموسيقى، مثل ويتني هيوستن وجانيس جوبلين وبيلي جويل. نعته عائلته وزملاؤه، مؤكدين على تأثيره العميق في صناعة الموسيقى.

CNN بالعربية
وفاة قطب صناعة الموسيقى الأميركي كلايف ديفيس عن 94 عاماً
Kültür·2 g önce

وفاة قطب صناعة الموسيقى الأميركي كلايف ديفيس عن 94 عاماً

توفي كلايف ديفيس، المحامي وقطب صناعة التسجيلات الأميركي، الذي أطلق مسيرة نجوم مثل جانيس جوبلين وويتني هيوستن، عن 94 عاماً. أكدت عائلته وفاته في شقته بمانهاتن بعد وعكة صحية. يُعد ديفيس شخصية مؤثرة في صناعة الموسيقى، حيث اكتشف ودعم العديد من الفنانين البارزين.

الشرق الأوسط
مروى خليل: شخصية «دانيا» في «ممكن» تجمع بين القوة والانكسار
Gelişiyor·2 g önce

مروى خليل: شخصية «دانيا» في «ممكن» تجمع بين القوة والانكسار

تخوض الممثلة مروى خليل تجربة جديدة في مسلسل «ممكن» من خلال شخصية «دانيا»، المرأة التي تبدو قوية من الخارج فيما تخفي هشاشة وانكسارات داخلية. وتكشف مروى عن تفاصيل الشخصية التي تجمع بين القوة والانكسار، وعن سبب تفضيلها للأدوار التي تظهر فيها امرأة بريئة أو رقيقة، وعن تجربتها في المسرح وإنشائها لأكاديمية «أكتينغ لاب برودكشنز».

الشرق الأوسط
Bu konuda daha fazlaمنيرة العيدان