السياسة الضريبية والجمركية لإدارة ترامب كلفت أوروبا المليارات لكن الرسوم الجمركية لم تحقق أهدافها وفاقمت العجز التجاري الأمريكي
ألمانيا تتكبد خسائر ضريبية بمليارات اليورو، والرسوم الجمركية تفشل في تقليص العجز التجاري القياسي
Quick Look
كشفت دراسة عن تحويل شركات أمريكية لأرباحها من أوروبا إلى الولايات المتحدة للاستفادة من تخفيضات ضريبية، مما كبد ألمانيا خسائر بـ23 مليار يورو. بالتوازي، فشلت رسوم ترامب الجمركية في تقليص العجز التجاري الذي سجل مستويات قياسية في أغسطس 2026.
AI-generated summary
Why It Matters
تستغل الشركات الأمريكية ثغرات في النظام الضريبي الدولي لتحويل أرباحها إلى الولايات المتحدة. فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية واسعة في أبريل 2025 لمحاولة تقليص العجز التجاري.
كشفت دراسة حديثة عن عمليات واسعة لتحويل أرباح الشركات من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، مستفيدة من التخفيضات الضريبية والحوافز التي أقرتها واشنطن خلال السنوات الماضية. وبحسب الدراسة، عمدت شركات أمريكية كبرى إلى نقل جزء كبير من أرباحها المحققة في الأسواق الأوروبية إلى الولايات المتحدة للاستفادة من معدلات ضريبية أقل.
وأشارت الدراسة إلى أن هذه الممارسات حرمت دول الاتحاد الأوروبي من إيرادات ضريبية بمليارات اليورو، في ظل استمرار الشركات متعددة الجنسيات في استغلال الثغرات القائمة في النظام الضريبي الدولي. وأثار ذلك انتقادات متزايدة للآليات التي تسمح بتحويل الأرباح إلى وجهات منخفضة الضرائب، رغم تحقيقها فعليا في أسواق أخرى.
وبموجب الترتيبات المرتبطة بالحد الأدنى العالمي للضريبة، تستطيع الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات سداد الضرائب المستحقة على أرباحها المحققة في أوروبا داخل الولايات المتحدة أيضا. وتقول الدراسة إن هذه الآلية أتاحت للشركات الأمريكية دفع ضرائب أقل، فيما نجحت سياسة خفض الضرائب التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استقطاب المليارات التي كان من الممكن أن تتدفق إلى خزائن دول أوروبية، من بينها ألمانيا.
ووفقا للدراسة التي أعدتها شبكة "العدالة الضريبية" بتكليف من رئيس كتلة اليسار في البرلمان الأوروبي مارتن شيرديفان، واطلعت عليها شبكة التحرير الألمانية الصحفية، فإن ألمانيا تكبدت خسائر ضريبية تجاوزت 23 مليار يورو بين عامي 2016 و2023، ما جعلها الدولة الأكثر تضررا داخل الاتحاد الأوروبي من السياسة الضريبية الأمريكية خلال تلك الفترة.
وتوزعت الخسائر الألمانية على مختلف مستويات الإدارة العامة، إذ فقدت البلديات نحو 9,8 مليارات يورو من الإيرادات الضريبية، فيما بلغت خسائر الحكومة الاتحادية 6,9 مليارات يورو، مقابل نحو 6,7 مليارات يورو لحكومات الولايات.
وكانت إدارة ترامب قد خفضت الضرائب على الشركات وقدمت حوافز لتسجيل الأرباح داخل الولايات المتحدة بدلا من أوروبا. ونتيجة لذلك، حولت الشركات الأمريكية، بحسب الدراسة، أرباحا بقيمة 327 مليار يورو من دول الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، رغم أن هذه الأرباح تحققت داخل الأسواق الأوروبية، وفق تقرير نشره الموقع الالكتروني للقناة الألمانية الخاصة ntv.
وخلصت الدراسة إلى أن "الميزانيات العامة في أوروبا فقدت إيرادات ضريبية لا تقل عن 86,4 مليار يورو" نتيجة هذه التحويلات. ورغم ذلك، لم تؤد هذه السياسة إلى زيادة الإيرادات الضريبية الأمريكية. فبرغم أن الشركات الأمريكية أعلنت في عام 2024 عن أرباح داخل الولايات المتحدة تعادل ضعف ما أعلنته عام 2016، فإن إجمالي الضرائب التي دفعتها كان أقل من تلك المسجلة في عام 2016.
ونقلت شبكة التحرير الألمانية عن مارتن شيرديفان قوله إن دونالد ترامب يعمل "بشكل ممنهج على تحويل الولايات المتحدة إلى ملاذ منخفض الضرائب يخدم عمالقة التكنولوجيا وأصدقائه من أصحاب المليارات مثل ماسك وزوكربيرغ وبيزوس".
وأضاف أن شركات كبرى مثل غوغول وميتا تنقل أرباحها إلى الولايات المتحدة للاستفادة من معدلات ضريبية أقل، في حين تخسر الميزانيات العامة والبلديات الأوروبية موارد مالية مهمة. ودعا شيرديفان إلى فرض الضرائب على الشركات في الدول التي تحقق فيها أرباحها فعليا، متهما أوروبا بمنح الشركات الأمريكية الكبرى معاملة تفضيلية في إطار تطبيق الحد الأدنى العالمي للضريبة.
ويأتي ذلك في ظل اتفاق يعرف باسم "سايد باي سايد"، أُبرم في يناير/ كانون الثاني 2026، ويسمح للشركات الأمريكية بسداد ضرائب تعادل الحد الأدنى العالمي البالغ 15 بالمئة داخل الولايات المتحدة أيضا. لكن الدراسة أشارت إلى أن معدل الضريبة الفعلي لدى نحو ثلث الشركات الأمريكية ما يزال أقل من نسبة الـ15 بالمئة المنصوص عليها في الاتفاق العالمي.
في سياق متصل، أظهرت بيانات اقتصادية حديثة أن جهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحد من العجز التجاري عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة لم تحقق النتائج المرجوة، إذ سجلت الولايات المتحدة في أغسطس/ آب 2026 أعلى مستوى للواردات في تاريخها.
ويعتبر ترامب العجز التجاري أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها لتقييم الأداء الاقتصادي، إلا أن الفجوة بين الصادرات والواردات عادت للاتساع، ما يشير إلى استمرار الشركات والمستهلكين الأمريكيين في شراء السلع الأجنبية بكميات كبيرة رغم ارتفاع تكاليف الاستيراد.
ووصل العجز التجاري الأمريكي إلى أعلى مستوياته منذ مارس/ آذار 2025، عندما سارعت الشركات إلى استيراد السلع وتخزينها بكثافة قبل دخول حزمة الرسوم الجمركية الواسعة التي أعلنها ترامب في الثاني من أبريل/ نيسان حيز التنفيذ.
ووفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي، تجاوزت قيمة الواردات الأمريكية في أغسطس/ آب 2026 الصادرات بمقدار 105,6 مليارات دولار. ويشكل هذا التطور تحديا للرئيس الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي، إذ يسير أحد المؤشرات الأساسية التي يستند إليها في تقييم قوة الاقتصاد بعكس الاتجاه الذي كان يأمله.
ويرجع ارتفاع العجز التجاري بصورة رئيسية إلى زيادة واردات الرقائق الإلكترونية والخوادم ومعدات التكنولوجيا المستخدمة في توسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. كما ساهم ارتفاع أسعار النفط، على خلفية الحرب مع إيران، في زيادة قيمة الواردات الأمريكية. وإلى جانب ذلك، سارعت شركات عديدة إلى استيراد السلع وتخزينها مسبقاً تحسبا لرسوم جمركية جديدة محتملة على الواردات القادمة من كندا، ما أدى إلى زيادة إضافية في حجم الواردات، وفق تقرير اقتصادي نشره موقع واتسون السويسري.
ينطلق ترامب من قناعة مفادها أن العجز التجاري يعكس استفادة الدول الأخرى من الاقتصاد الأمريكي على حساب الولايات المتحدة. غير أن المحكمة العليا الأمريكية ألغت في فبراير/ شباط 2026 الرسوم التي فرضت استنادا إلى حالة الطوارئ، معتبرة أن الرئيس تجاوز الصلاحيات القانونية الممنوحة له. ورد ترامب بفرض رسم جمركي عالمي بنسبة 10 بالمئة استنادا إلى قانون التجارة الأمريكي الصادر عام 1974، إلا أن هذا الإجراء كان مؤقتا وانتهى العمل به بعد مرور 150 يوما.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن العجز التجاري يرتبط بعوامل معقدة ومتعددة، من بينها مستويات الاستهلاك والاستثمار، وأسعار الصرف، وتدفقات رؤوس الأموال، وليس فقط بالسياسات التجارية. كما يشير الخبراء إلى أن كلفة الرسوم الجمركية لا تتحملها الشركات الأجنبية وحدها، بل تنتقل في كثير من الأحيان عبر المستوردين الأمريكيين إلى المستهلك النهائي داخل الولايات المتحدة، ما ينعكس في صورة أسعار أعلى للسلع والخدمات.
Open Questions
- هل ستتخذ المفوضية الأوروبية إجراءات قانونية ضد الشركات الأمريكية؟
- كيف سيؤثر استمرار العجز التجاري على نتائج انتخابات التجديد النصفي؟







