تداعيات الحرب التجارية بين الولايات المتحدة وكندا وأثرها على العلاقات السياسية والاجتماعية
توترات تجارية، نزاعات رمزية حول تسمية البحيرات، وهجرة أكاديمية في ظل ضغوط سياسية متصاعدة
Quick Look
تتفاقم التوترات التجارية بين واشنطن وأوتاوا وسط نزاعات رمزية حول تسمية بحيرة أونتاريو، وضغوط سياسية على كيبيك، وهجرة كفاءات أكاديمية أميركية إلى كندا، بالتزامن مع تداعيات الحرب الأميركية-الإيرانية على العائلات العسكرية الأميركية.
AI-generated summary
Why It Matters
انهارت المحادثات التجارية بين كندا والولايات المتحدة بسبب قيود ترمب التجارية. تزامناً مع ذلك، تخوض الولايات المتحدة حرباً مع إيران منذ 6 أشهر مما أثر على العائلات العسكرية.
كشفت معركة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة وكندا جوانب تتعدى التجارة لتمس صميم العلاقات السياسية والثقافية، وحتى الأكاديمية بين الجارين الكبيرين في أميركا الشمالية، حيث يتبادل الطرفان الإجراءات العقابية، فيما أبدت أوتاوا تفاؤلاً حيال موقف واشنطن من اللغة الفرنسية والثقافة الكندية، مقابل رفضها أن تغيّر نظامها السياسي أو تحوّلها ولاية أميركية كما يطالب الرئيس دونالد ترمب، الذي يخوض أيضاً حرب أسماء، شملت أخيراً تسميته «بحيرة أونتاريو» باسم «بحيرة أميركا».
وجاء ذلك بعدما انهارت المحادثات التجارية خلال الأسبوع الماضي، إثر ما وصفه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بمحاولات الرئيس ترمب لفرض قيود على اتفاقات بلاده التجارية مع دول أخرى، إضافة إلى «تهديدات» غير مقبولة استهدفت اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية في مقاطعة كيبيك.
وعلى الرغم من حدة الخطاب، أظهرت تصريحات وزير التجارة الكندي دومينيك لوبلان مؤشراً على انفراج جزئي في هذا الملف الحساس: تراجع واشنطن عن اعتراضاتها على التدابير الكندية الرامية لتعزيز اللغة الفرنسية والمحتوى الثقافي المحلي، وهو ما أكده أيضاً كبير مسؤولي التجارة الأميركيين جيميسون غرير، الذي وصف حماية اللغة الفرنسية بأنها مسألة «حساسة ومهمة جداً» لا تستحق المجازفة بإفشال اتفاق جيد من أجلها.
وترافق هذا التراجع مع دلالة سياسية مهمة؛ إذ إنه يوحي بأن واشنطن تدرك حساسية الملف الثقافي في كيبيك، حتى وهي تصعّد ضغوطها الاقتصادية.
في المقابل، استثنت كندا الأسماك والمأكولات البحرية من رسومها المضادة في تعديل متأخر، في خطوة تحمل حسابات سياسية داخلية واضحة: تجنّب الإضرار بولايتي ألاسكا وماين الأميركيتين قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ما يعكس وعياً كندياً بتوظيف الرسوم كأداة ضغط انتخابي غير مباشر على واشنطن.
«بحيرة متلألئة»
غير أن ذلك لم يحُل دون اتخاذ الرئيس ترمب قراراً «استفزازياً» أضاف بعداً رمزياً للنزاع، فقد وقّع قراراً تنفيذياً لتسمية بحيرة أونتاريو «بحيرة أميركا»، مكرراً بذلك سيناريو تغيير اسم خليج المكسيك إلى «خليج أميركا» في يناير (كانون الثاني) 2025، عازياً ذلك إلى أن أعمق نقطة في البحيرة تقع على الجانب الأميركي، في محاولة لإضفاء طابع «موضوعي» على هذا القرار السياسي، الذي رفضته حاكمة نيويورك الديمقراطية كاثي هوكول، في مؤشر إلى أن الخطوة لم تحظ بإجماع حتى على الساحة الداخلية الأميركية.
وكذلك جاء الرفض الكندي سريعاً؛ إذ أكد كارني أن اسم البحيرة، المشتق من كلمة في لغة شعب الهورون الأصلي وتعني «بحيرة المياه المتلألئة»، يعود إلى 400 عام قبل تأسيس الدولتين، مشدداً على أنها ستبقى «بحيرة أونتاريو، آنذاك والآن ودائماً».
واللافت أن ترمب لم يُخفِ نيته في توسيع هذه المعركة الرمزية لتشمل المحيطين الأطلسي والهادئ، وهو ما يضعه في سياق أوسع من المطالب الإقليمية غير المسبوقة التي طرحها خلال ولايته الثانية، بدءاً من المطالبة بضم كندا كولاية أميركية، مروراً بغرينلاند وفنزويلا، ووصولاً إلى الحديث عن «أمركة» مضيق هرمز وسط الحرب مع إيران.
معركة كيبيكية
وانعكس التوتر التجاري بشكل مباشر على المشهد السياسي في كيبيك؛ حيث انطلقت الحملة الانتخابية للجمعية الوطنية بتسمية غير معتادة. وأعلنت زعيمة ائتلاف مستقبل كيبيك الحاكم، كريستين فريشيت، أنها تريد اعتبار الرئيس ترمب كأبرز خصم، في مواجهة تداعيات الحرب التجارية على المقاطعة.
وتكمن المفارقة الأبرز في هذا السياق أن خطاب ترمب المتكرر حول ضم كندا كولاية أميركية، بدلاً من أن يصب في مصلحة الحركة الانفصالية في كيبيك، أعاد تشكيل حسابات النقاش الداخلي حول الاستقلال. فزعيم حزب كيبيك الانفصالي، بول سانت بيير بلاموندون، أعلن أنه لن يجري استفتاء على الاستقلال ما دام ترمب بقي في الرئاسة، معتبراً أن سكان كيبيك يستحقون التفكير في مستقبلهم دون ضغط الغموض الذي يفرضه الرئيس الأميركي.
ويعكس هذا الموقف أن التهديد الخارجي قد يعزز أحياناً النزعة نحو الوحدة الوطنية بدلاً من تغذية الانفصال، وهو ما عبّر عنه بوضوح زعيم الحزب الليبرالي في كيبيك، شارل ميليارد، بقوله إن كيبيك «أقوى كجزء من 41 مليون نسمة» من الكنديين.
هجرة العقول
وعلى هامش الحرب التجارية، تنكشف جبهة أخرى أقل صخباً لكنها بعيدة المدى في تأثيرها؛ استقطاب كندا لعشرات الباحثين الأميركيين المرموقين. فقد أعلنت 21 جامعة كندية عن تعيين 64 باحثاً جديداً، غادر 48 منهم جامعات أميركية عريقة مثل «هارفارد» و«ييل» ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «إم آي تي»، ضمن استثمار حكومي يتجاوز 500 مليون دولار كندي في مجالات استراتيجية، كالتغير المناخي والذكاء الاصطناعي.
وتحمل هذه الهجرة الأكاديمية، التي بدأت العام الماضي مع تصاعد الحملة الأميركية على الجامعات وتمويل البحث العلمي، دلالة أعمق من مجرد تنافس مؤسسي. فهي تعكس، حسب شهادات عدد من الباحثين المهاجرين، شعوراً بخيبة أمل تجاه بيئة أميركية باتت أقل احتضاناً للعلم والحرية الأكاديمية.
ووصفت الوزيرة الكندية ميلاني جولي هذا البرنامج بأنه «أكبر مشروع لاستقطاب المواهب» عالمياً، في وقت تسير فيه جهود مماثلة في الاتحاد الأوروبي، ما يشير إلى أن الأزمة الأميركية الداخلية في قطاع البحث العلمي قد تُحدث إعادة توزيع طويلة الأمد لمراكز الثقل العلمي العالمي، بصرف النظر عن مآلات الحرب التجارية نفسها.
منذ أن دخلت الولايات المتحدة في حرب مع إيران قبل 6 أشهر، تساعد كورتني ساندرز عائلات الجنود الأميركيين على سدّ الفجوات التي خلّفها غياب أحبائهم؛ فهناك أطفال يحتاجون إلى مَن يقلهم من المدارس، ومداخيل مفقودة يتعين تعويضها، فضلاً عن القلق الدائم الناجم عن الفراق.
وقالت كورتني ساندرز لوكالة «رويترز» للأنباء: «الأمر أشبه بالعيش في حالة توتر وترقب طوال الوقت».
وتقود كورتني ساندرز فرع منظمة «بلو ستار فاميليز» في منطقة شيكاغو، وهي أكبر منظمة غير ربحية في الولايات المتحدة تُعنى بدعم العائلات العسكرية، كما أن ابنتيها تخدمان في البحرية الأميركية، وخدمتا خلال الأشهر الستة الماضية في مواقع مختلفة خارج البلاد، من بينها الشرق الأوسط.
وتنشر الولايات المتحدة أكثر من 50 ألف جندي في أنحاء المنطقة، كما أرسلت آلافاً آخرين من مشاة البحرية والبحارة لدعم المجهود الحربي. وقتل 18 عسكرياً أميركياً في الحرب، وأصيب أكثر من 750 آخرين.
وقالت كورتني ساندرز إن العائلات العسكرية عاشت «دوامة من المشاعر» خلال فترات القتال المتقطعة والمساعي الدبلوماسية والمحادثات السلمية التي باءت بالفشل. وأضافت: «ما إن تشعر بأنك قادر على التقاط أنفاسك حتى تتلقى صدمة جديدة».
وتُعد هذه الضغوط مألوفة لأزواج وأبناء وآباء وأمهات الجنود الأميركيين، لكن أقارب لعسكريين قالوا لـ«رويترز» إن الطبيعة المفاجئة للحرب مع إيران وتذبذب وتيرتها ضاعفا من آثارها النفسية.
وفي استطلاع أجرته منظمة «بلو ستار فاميليز» مطلع مارس (آذار)، وشمل نحو 200 أسرة لعسكريين في الخدمة الفعلية، أفاد 81 في المائة من المشاركين بارتفاع مستويات التوتر لديهم بسبب الحرب على إيران.
وردّت المنظمة على ذلك بتوسيع برامجها، من خلال إنشاء منصات إلكترونية للموارد، وتنظيم ندوات عبر الإنترنت ولقاءات مباشرة، وربط الأزواج الذين يخوضون تجربة النشر العسكري للمرة الأولى بأشخاص سبق لهم خوض التجربة نفسها. كما مُدِّدت فترات انتشار كثير من العسكريين بصورة غير متوقعة.
رقم غير مسبوق
وبقيت حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس أبراهام لينكولن» أكثر من 200 يوم من دون التوقف في أي ميناء، وهو رقم غير مسبوق في العصر الحديث، حسب مشرعين ديمقراطيين. وأفادت وسائل إعلام عسكرية بوقوع محاولات انتحار وتراجع المعنويات بين طاقمها البالغ نحو 5 آلاف من البحارة ومشاة البحرية.
لكن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال إن تلك التقارير «شوهت بالكامل» حقيقة الأوضاع على متن حاملة الطائرات.
وتجد بعض العائلات العسكرية نفسها في ضائقة مالية. وقالت كورتني ساندرز إن أفراد الحرس الوطني، على سبيل المثال، يعملون غالباً في وظائف مدنية عندما لا يكونون في مهام عسكرية؛ ولذلك فإن فقدان دخلهم الأساسي بصورة مفاجئة قد يجعل من الصعب على أسرهم تأمين احتياجاتهم الغذائية الأساسية. وأضافت: «هناك اعتقاد خاطئ واسع الانتشار بين المدنيين بأن جميع فواتير أفراد الجيش تُسدد تلقائياً. والحقيقة أن ذلك غير صحيح إطلاقاً».
وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في بيان: «نرى هذه العائلات، ونستمع إلى مخاوفها، وسنفعل كل ما هو ضروري لتوفير الموارد والمساعدة والاستقرار الذي تحتاج إليه وتستحقه خلال هذه الأوقات الصعبة».
علاج نفسي لأطفال الجنود
وتحاول شانون، وهي زوجة جندي في الجيش الأميركي وأم لثلاثة أطفال في ولاية نورث كارولاينا، تجاهل الأخبار والنقاش السياسي المحيط بالحرب. وفي فبراير (شباط)، أُرسل زوجها إلى المنطقة بعد إخطار لم يتجاوز 5 أيام، ولم يتمكن من التواصل معها إلا بصورة متقطعة خلال الأشهر الأولى من انتشاره.
ورغم أنهما يحافظان على تواصل شبه يومي منذ يونيو (حزيران)، قالت شانون: «هناك الكثير من المشاعر، لا سيما عندما يسقط قتلى هناك». وبدأ أطفالها تلقي جلسات علاج نفسي خلال الصيف، وتحاول أن تبدو قوية أمامهم، لكنها تبكي أحياناً عندما لا يكونون بقربها.
وبعد فترة وجيزة من إرسال زوجها إلى المنطقة، انضمت شانون إلى «مجموعة الجاهزية» التابعة لوحدته، وهي مبادرة يرعاها الجيش لدعم الجنود وأسرهم، إذ تساعد في تنظيم إيصال الوجبات وغيرها من أشكال الدعم إلى الأسر المحتاجة. وقالت: «لن يكون كل يوم يوماً جيداً، لكن عليك أن تواصلي المضي قدماً، وأن تبقي نفسك مشغولة».
وفي ولاية فرجينيا، تحاول بات، وهي زوجة أحد أفراد البحرية الأميركية وطلبت أيضاً التعريف بها باسمها الأول فقط لأسباب أمنية، الحفاظ على الحياة الطبيعية قدر الإمكان لأطفالها الذين يدرسون في المرحلتين الإعدادية والثانوية، وقالت بات إن جيرانها كانوا «رائعين للغاية» في المساعدة على اصطحاب الأطفال، وإنجاز المهام الأخرى منذ إرسال زوجها قبل نحو 5 أشهر.
وترتدي أسرتها اللون الأحمر أيام الجمعة تعبيراً عن دعم العسكريين المنتشرين في الخارج، كما يفعل كثير من زملاء أطفالها في المدرسة، حتى أولئك الذين لا تربطهم صلة مباشرة بالمؤسسة العسكرية.
وسبق لزوج بات أن إرسال في مهام خارجية من قبل، لكنها فوجئت هذه المرة بسرور عندما علمت أن السفينة التي يخدم عليها مزودة بخدمة الإنترنت اللاسلكي (واي فاي)، ما جعل التواصل بينهما أكثر سهولة. ومع ذلك، لا تزال أسرتها تواجه حالة من الضبابية بشأن موعد عودته، وقالت «مع وجود أطفال أكبر سناً، وإدراكهم أن والدهم لم يكن حاضراً لمشاهدة تلك الفعاليات الرياضية، كان ذلك مؤثراً عاطفياً إلى حد ما. لكن أطفالي يتمتعون بقدرة كبيرة على التكيف والصمود».
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
استمرار التوتر في العلاقات التجارية والسياسية بين كندا والولايات المتحدة.
Likely · Within months
Open Questions
- هل ستؤدي الانتخابات النصفية الأميركية إلى تغيير في السياسة التجارية تجاه كندا؟
- كيف ستؤثر الهجرة الأكاديمية على المدى الطويل على مراكز البحث العلمي؟





