زيارة فيليبي لسبتة ـ رسالة مدريد وتحذيرات الرباط!
فيليبي السادس يؤكد سيادة إسبانيا على المدينتين في ظل أزمة هجرة وضغوط داخلية متزايدة
Quick Look
زار العاهل الإسباني فيليبي السادس مدينتي سبتة ومليلية لأول مرة منذ اعتلائه العرش، مؤكداً سيادة إسبانيا عليهما وسط توترات دبلوماسية مع المغرب وأزمة هجرة غير مسبوقة وضغوط سياسية داخلية من المعارضة اليمينية.
AI-generated summary
Why It Matters
تطالب المغرب بالسيادة على سبتة ومليلية منذ استقلالها عام 1956، بينما تعتبرهما إسبانيا جزءاً لا يتجزأ من أراضيها.
تكتسي زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس وعقيلته ليتيثيا إلى مدينتي سبتة ومليلية صبغة بالغة الحساسية السياسية على المستويين الداخلي والإقليمي.. ويزور الملك المدينتين للمرة الأولى منذ اعتلائه العرش عام 2014. كما مضت 19 عاما على آخر زيارة ملكية، حين زار الملك خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا المدينتين في نوفمبر 2007. وبين الزيارتين، أمضيا ليلة في مالقة، في حين يعتزم فيليبي السادس وليتيثيا المبيت في سبتة. وكان آخر ملك أمضى ليلة هناك، قبل نحو قرن من الزمن، هو ألفونسو الثالث عشر، الجد الأكبر للملك الحالي، الذي يقال إنه قضى ليلة في ميناء سبتة على متن سفينة عام 1927.
حساسية الزيارة تأتي بعد أحداث تدفق أكثر من سبعين ألف مهاجر إلى سبتة من المغرب في 30 و31 يوليو/ تموز الماضي، في موجة فوضوية غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات وأثارت خلافات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن قضية الهجرة. كما ترتبط هذه الحساسية بمطالب المغرب الترابية في استعادة المدينتين إضافة إلى عدد من الجزر والصخور الصغيرة القريبة من الساحل المغربي، مثل جزر شافاريناس وصخرة الحسيمة وصخرة فيليث دي لا غوميرا. ويستند المغرب في مطالبه إلى الروابط التاريخية والجغرافية لهذه المناطق بأراضيه، وإلى اعتبار الوجود الإسباني فيها امتدادا للتوسع الاستعماري. في المقابل، تعتبر إسبانيا سبتة ومليلية جزءا لا يتجزأ من أراضيها، مستندة إلى تاريخ سيطرتها الطويل عليهما وإلى وضعهما الإداري والقانوني ضمن الدولة الإسبانية. وتخضع المدينتان فعليا للإدارة الإسبانية، ولا تدرجهما الأمم المتحدة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
تبدو رسالة مدريد من الزيارة واضحة وهي تمسك إسبانيا بالسيادة على المدينتين اللتين بدا سكانهما سعداء بظهور الملك فيليبي وعقيلته. فقد اصطف آلاف الأشخاص على جانبي الشوارع، بحسب تقديرات هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية الحكومية (RTVE)، وهتفوا للملك والملكة بحماس شديد. وردّدوا هتافات مثل: "فيليبي، فيليبي!" و"عاشت إسبانيا!". وكان بعض الحاضرين يرتدون قمصانا تحمل شعار: "سبتة ليست للبيع، ويجب الدفاع عنها".
وقال فيليبي "إن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي تمثله إسبانيا. وسيادة بلادنا ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض". وشدد الملك الإسباني، الذي نادرا ما يدلي بمواقف سياسية، على ضرورة أن تحافظ إسبانيا على "علاقات حسن جوار" مع الرباط. وتعهد ألاّ تترك الدولة الإسبانية سكان سبتة البالغ عددهم 80 ألف نسمة "بمفردهم أو بلا حماية".
ومنذ استقلاله في عام 1956، يعتبر المغرب سبتة ومليلية مدينتين محتلتين من قبل إسبانيا، ويؤكد أن السيادة عليهما يجب أن تنتقل في نهاية المطاف إلى الرباط. وسعت الحكومة المنتمية إلى تيار اليسار إلى تقديم زيارة العائلة المالكة على أنها بادرة دعم لسبتة وسكانها، لكن أحزاب المعارضة من تيار اليمين تتهم رئيس الوزراء بيدرو سانتشيث بالفشل في الدفاع عن السيادة الإسبانية على هذا الجيب.
تجري زيارة الملك بالتنسيق مع حكومة سانشيز. وكان الأخير قد صرّح بأن المدينة يجب أن تشعر بأنها "تحظى بدعم الدولة أكثر من أي وقت مضى". ويواجه سانشيز ضغوطا داخلية من قبل اليمين واليمين المتطرف في إسبانيا عقب أزمة الهجرة، إذ تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص في تجمعات احتجاجية ضد سياسة الهجرة الحالية. واتهم المتظاهرون سانشيز باتباع سياسة استرضاء تجاه المغرب، وبالتقصير في تقديم المساعدة لمدينة سبتة. وقد وضعت أزمة الحدود الحادة التي وقعت في الصيف حكومة سانشيز تحت الضغط، كما زادت من توتر العلاقات المتوترة أصلا بين مدريد والرباط. وحمل رئيس الوزراء سانشيز فشل الرقابة المغربية على الحدود مسؤولية أزمة الهجرة الأخيرة. وكان سانشيز قال أمام البرلمان في الثالث من سبتمبر/ أيلول إن على مدريد أن تطلب من السلطات المغربية "تفسيرات وتغييرات" لتفادي تكرار تدفق المهاجرين، مشددا في الوقت نفسه على عدم وجود "أدلة دامغة" تثبت أن المغرب دبر العملية.
ويتخذ اليمين واليمين المتشدد في إسبانيا موقفا معارضًا إلى حد كبير لسياسة الهجرة التي تنتهجها حكومة سانشيز، غير أن درجة المعارضة وطبيعة المطالب تختلفان بين الحزب الشعبي المحافظ بقيادة ألبرتو نونييث فيخو، وحزب فوكس اليميني المتشدد، بقيادة سانتياغو أباسكال. ويتمحور الخلاف بين هذه القوى والحكومة الاشتراكية حول كيفية التعامل مع الهجرة غير النظامية، وتسوية الأوضاع القانونية للمهاجرين، وتأثير الهجرة على سوق العمل والخدمات العامة والسكن والهوية الوطنية. فقد انتقد الحزب الشعبي خطة سانشيز الرامية إلى تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين الموجودين في إسبانيا بصورة غير نظامية، معتبرا أن تسوية أوضاع أعداد كبيرة منهم دفعة واحدة قد تشجع على وصول مزيد من المهاجرين، فضلا عن أنها لا تقدم، من وجهة نظره، معالجة مستدامة لمشكلات ضبط الحدود وإدارة تدفقات الهجرة.
ويدعو الحزب إلى تشديد الرقابة على الحدود، وتطبيق القواعد الأوروبية المتعلقة بالهجرة واللجوء، أما حزب فوكس فيتبنى خطابًا أكثر تشددا، ويطالب بتغيير أوسع في النهج الذي تتبعه الدولة الإسبانية. ويعارض فوكس بشدة تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، ويدعو إلى ترحيلهم، كما يطالب بمنح المواطنين الإسبان الأولوية في الاستفادة من بعض المساعدات والمنافع العامة. ويستخدم الحزب مفهوم "إعادة الهجرة" للدعوة إلى عكس اتجاه الهجرة وإعادة مهاجرين إلى بلدانهم، مع اختلاف التدابير التي يقترحها بحسب الفئات والأوضاع القانونية.
في خطابه أمام افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان المغربي (الجمعة التاسع من أكتوبر 2026)، كان العاهل المغربي محمد السادس قد أوضح أنه لن يقبل من إسبانيا "أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز". وانتقد محمد السادس "التصريحات غير المسؤولة والاستغلال الصريح لقضية الهجرة من جانب بعض الأوساط السياسية ووسائل الإعلام". وقد فهمت هذه التصريحات على أنها انتقاد مبطن للمعارضة اليمينية، المتمثلة في حزب الشعب المحافظ وحزب فوكس، اللذين أشارت استطلاعات الرأي إلى إمكانية فوزهما في الانتخابات المبكرة المقررة في إسبانيا. وفي غضون ذلك، تبين أن تصعيدا عسكريا قد وقع على ما يبدو، إذ ذكرت صحيفة "إل باييس" نقلا عن مصادر عسكرية لم تسمّها، أن فرقاطة مغربية واحدة على الأقل وعدة زوارق دورية عبرت، في مطلع أغسطس الماضي، المياه الإقليمية قبالة سبتة من دون الحصول على إذن، حادث أكده لاحقا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وفق نفس المصدر، علما بأن المغرب لا يعترف بترسيم الحدود البحرية في تلك المنطقة.
تعود سيطرة إسبانيا على مدينتي سبتة ومليلية تحت السيادة الإسبانية إلى القرن الخامس عشر (سبتة في عام 1415 ومليلية في 1497)، وتتمتع المدينتان اليوم باستقلال ذاتي ضمن المملكة الإسبانية وتخضعان لإدارة محلية ضمن إطار قانوني وأمني أوروبي ـ إسباني، بينما يظل المغرب يعتبرهما جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني، خاصة بعد حصوله على الاستقلال استقلال عام 1956. في حين تصر إسبانيا على أن المدينتين جزء من أراضيها والاتحاد الأوروبي. ولطالما كانت المدينتان ترمومترا لقياس حرارة العلاقات بين البلدين، خصوصا خلال فترات التوتر بسبب قضايا الهجرة والحدود والتعاون الأمني والاقتصادي. لكن العلاقات بين الجانبين تستمر في إطار حوار دبلوماسي براغماتي يوازن بين المصالح الاقتصادية والسياسية ويحاول غض الطرف عن القضايا لخلافية. وتواجه هذه القضية تعقيدات تتراوح بين القانون الدولي وواقع العلاقات الثنائية ومنطق التاريخ والجغرافيا.
تاريخيا تميزت مدينة سبتة باحتلالها من قبل البرتغال أولا عام 1415 ضمن توسعاتها في المحيط الأطلسي وشمال إفريقيا. ظلت المدينة تحت الحكم البرتغالي حتى عام 1668، عندما انتهت الحرب البرتغالية - الإسبانية وجرى التوقيع على معاهدة لشبونة التي اعترفت بالتخلي عن سبتة لصالح إسبانيا كجزء من ترتيبات المصادقة على استقلال البرتغال وتوحيدها مع إسبانيا في تلك الفترة. أما مليلية فلم تخضع أبدا للاحتلال البرتغالي.
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
استمرار التوتر الدبلوماسي بين إسبانيا والمغرب بشأن قضايا الحدود.
Likely · Within months
Open Questions
- كيف ستتطور العلاقات الدبلوماسية بين مدريد والرباط بعد هذه الزيارة؟
- هل ستتخذ الحكومة الإسبانية إجراءات جديدة بشأن الهجرة؟







