فرنسا تسعى لحظر احتجاجات جديدة وماكرون يوجه اتهامات صريحة لليسار المتطرف
احتجاجات طلابية تتحول إلى حراك وطني ضد التفاوت الاجتماعي وسياسات الحكومة، مع تزايد حدة العنف والجدل السياسي حول أسباب الاضطرابات.
Quick Look
تشهد فرنسا احتجاجات واسعة بدأت من المدارس وتوسعت لتشمل مختلف الفئات الاجتماعية، احتجاجاً على التفاوت الاجتماعي ونقص الخدمات التعليمية. شهدت المظاهرات أعمال عنف واشتباكات مع الشرطة، وسط انقسام سياسي حول أسباب الحراك ودوافع المشاركين.
AI-generated summary
Why It Matters
بدأت الاحتجاجات في منتصف سبتمبر 2026 بسبب اكتظاظ الفصول ونقص المعلمين، وتطورت لتشمل مطالب اجتماعية وسياسية أوسع.
تشهد فرنسا خريفاً من الغضب، فما بدأ على شكل وقفات في المدارس تحول إلى احتجاج شامل ضد التفاوت الاجتماعي والإقصاء السياسي وسياسات الرئيس إيمانويل ماكرون. وتتحدث الحكومة عن متطرفين مستعدين لاستخدام العنف، فيما تُحمل أصوات اليمين مسؤولية ما يحدث ل"الإسلاموية اليسارية" والهجرة التي يُزعم أنها خرجت عن السيطرة، بينما ينتقد اليسار عنف الشرطة.
وتحولت هذه الاحتجاجات تدريجياً إلى قضية تستقطب اهتمام ألمانيا وأوروبا، وتثير تساؤلات تتجاوز حدود الشارع الفرنسي، خصوصاً منذ أحداث الشغب التي شهدتها البلاد في (17 أكتوبر/ تشرين الأول 2026). فقد تصاعد الاهتمام بما يجري، وسط تباين الروايات وتضارب التفسيرات بشأن خلفيات الاحتجاجات ودوافع المشاركين فيها.
وبهذا الصدد كتبت صحيفة "هانلسبلات" الألمانية (19 أكتوبر/تشرين الاول) معلقة: "ما تشهده فرنسا هو دوامة خطيرة من العنف والتراجع عن الديمقراطية. فمنذ أسابيع، يحتج التلاميذ والطلاب الجامعيون مطالبين بتحسين المدارس. وقد شهدت الاحتجاجات أعمال شغب، نعم، لكنها لم تكن سوى جزء من هذه الاحتجاجات. فالعنف يطغى بصورة متزايدة على المطالب السياسية المشروعة. كما أن الحكومة الفرنسية باتت عاجزة بشكل متزايد عن الاستجابة للمطالب، ومن بينها المطالبة بتحسين التعليم. ففي البداية، حاولت الاستجابة لبعض مطالب التلاميذ ووعدت بتوفير معلمين بدلاء".
بدأ الأمر بخلاف لم يحظ بالتقدير الكافي من قبل السلطات الفرنسية، في سياق حراك سياسي واجتماعي يشبه برميل بارود. فقد احتج التلاميذ على اكتظاظ الفصول الدراسية، ونقص المعلمين، وسوء حالة مدارسهم. ومنذ منتصف سبتمبر/ أيلول، عمد الشباب في مدن فرنسية مختلفة إلى إغلاق مؤسساتهم التعليمية كأداة من أدوات الاحتجاج. وسرعان ما تحولت هذه التحركات المتفرقة إلى حركة على مستوى البلاد، أخذت تستقطب الطلاب الجامعيين وفئات اجتماعية أخرى. ولا يقتصر انتقاد المحتجين على المشكلات الملموسة في قطاع التعليم، بل يرون أيضاً أنهم يواجهون سياسة لا تأخذ مشكلاتهم على محمل الجد بما يكفي. ولم تتمكن المحادثات مع ممثلي الحكومة والإعلان عن توفير معلمين إضافيين من تبديد حالة الاستياء. لذلك تمسكت الحركة بمطالبها وسعت إلى توحيد صفوفها مع مجموعات احتجاجية أخرى.
وتناولت صحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية هذا الموضوع (21 أكتوبر/تشرين الأول) وكتبت: "بدلاً من التفكير في خطة شاملة لفرنسا المستقبل، نشهد مزايدات حزبية وشخصية تؤدي إلى انقسام معسكر الأحزاب التقليدية. وفي الوقت نفسه، بدأت تتضح ملامح القوى التي تحقق أكبر استفادة من هذا الوضع، وهي اليسار المتطرف الراديكالي بقيادة جان لوك ميلانشون، الذي يستغل الاحتجاجات بصورة انتهازية، واليمين المتطرف الشعبوي بقيادة مارين لوبان، الذي يطالب بإعادة النظام وضمان الأمن، لكنه يزداد قوة تحديدا بفضل الاضطرابات(...). لكن الجرح الأعمق يكمن في المجتمع الفرنسي نفسه، الذي يشهد إخفاق الدولة التي لطالما آمن بها ووثق فيها. فلم تعد الدولة توفر له الضمانات المتعلقة بالحماية الاجتماعية والأمن الجماعي، وهما الركيزتان الأساسيتان اللتان يقوم عليهما كيان الدولة".
سيظل يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول يوماً أسوداً في هذه الاحتجاجات، فقد أحصت وزارة الداخلية الفرنسية نحو 550 ألف مشارك، بينما تحدث المنظمون عن قرابة 800 ألف شخص. وفي مدن عديدة، خرج طلاب المدارس والجامعات والنقابيون وأشخاص يشعرون بأن السياسة قد تخلت عنهم إلى الشوارع. لم تجر المظاهرات بسلام في جميع المناطق. ففي عدة مدن، وقعت أعمال نهب وإضرام للحرائق واشتباكات مع الشرطة. وألقي القبض مؤقتاً على نحو ألفي شخص. وفي الوقت نفسه، تحدثت وسائل إعلام فرنسية عن مسيرات كبيرة وسلمية، وعن شباب أدانوا العنف، لكنهم أصروا على مواصلة المطالبة بتحقيق أهدافهم السياسية.
وتظهر صور 17 أكتوبر/تشرين الأول مبان مشتعلة ومرافق مدمرة واشتباكات مع الشرطة. والأضرار الناجمة عن هذه الأحداث كبيرة. فمن ينهب المتاجر أو يعتدي على الأشخاص أو يشعل النار في المباني يتحمل مسؤولية أفعاله. ولا يفسر الحرمان الاجتماعي هذه التصرفات تلقائيا، كما أنه لا يبررها. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول العنف الذي تمارسه بعض المجموعات إلى معيار للحكم على مئات الآلاف من الأشخاص الذين تظاهروا بصورة سلمية.
وتتحدث وسائل إعلام فرنسية عن شباب يدينون أعمال النهب والاعتداءات، لكنهم ينتقدون في الوقت نفسه شدة تدخل الشرطة. كما أن التقارير عن الإصابات الخطيرة والتحقيقات المتعلقة باحتمال وقوع عنف من جانب الشرطة تشكل جزءا من الصورة الكاملة. وكانت منظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية، قد أدانت أساليب تعامل السلطات مع الاحتجاجات في أوائل أكتوبر/تشرين الأول. وبهذا الصدد كتبت صحيفة "فاينانشال تايمز" اللندنية (20 أكتوبر/تشرين الأول): "إن موجة العنف هذه في الشوارع تعطي انطباعاً بأن الحكومة فقدت السيطرة على الأوضاع. وهي تقوّض ثقة الرأي العام في مؤسسات الدولة، وتضعف ثقة قطاع الأعمال، وتضر بالمكانة الدولية لفرنسا، مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب خطيرة على قطاع السياحة الحيوي في البلاد.
لم ينشأ غضب الشباب من فراغ، فقد تراجعت قيم الحرية والمساواة والإخاء التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية التي تعرّف فرنسا نفسها كبلد يتمتع مواطنوها بحقوق متساوية. لكن الواقع العملي يكشف عن تفاوت في الظروف التي تتيح تحقيق هذه المساواة. فالأطفال المنحدرون من أسر فقيرة يرتادون في كثير من الأحيان مدارس تعاني من ظروف تعليمية أصعب. كما توجد فروق كبيرة بين المناطق الغنية والفقيرة، وبين المؤسسات التعليمية المتميزة والمدارس الموجودة في الضواحي المحرومة اجتماعياً.
كذلك، فإن الوصول إلى الجامعات المرموقة وشبكات العلاقات النافذة في البلاد يخضع لانتقاء اجتماعي واضح. وشملت عوامل الغضب ارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم استقرار فرص العمل، والخوف من تدهور الخدمات العامة، كلها عوامل تجمع بين فئات اجتماعية مختلفة. فما يختبره الطلاب بوصفه نقصاً في المعلمين، يختبره آخرون في صورة فترات انتظار طويلة في الإدارات الحكومية، أو مستشفيات تعاني من ضغط شديد، أو أوضاع مالية تزداد صعوبة.
وذهبت صحيفة "الغارديان" البريطانية (20 أكتوبر/تشرين الأول) في نفس الاتجاه وكتبت: "إن الأفعال الصادمة التي ارتكبتها أقلية لا ينبغي أن تحجب أهمية المظاهرات السلمية الحاشدة التي شهدتها مختلف أنحاء فرنسا يوم السبت (...). أما السبب الأعمق للاضطرابات، فيكمن في الاعتقاد السائد على نطاق واسع بأن العقد الاجتماعي في فرنسا لم يعد يؤدي وظيفته. فالشباب يشعرون بأن نظام التعليم، الذي يعاني نقصاً في التمويل ويكرس أوجه عدم المساواة، قد خذلهم، كما أنهم يخشون الآثار المستقبلية للذكاء الاصطناعي وأزمة المناخ. وكما بات الحال على نحو متزايد في مختلف أنحاء أوروبا، لم يعد الشباب يثقون بقدرة السياسيين التقليديين على إيجاد الحلول".
مع اتساع الاحتجاجات، يتزايد الجدل حول الجهات التي تقف وراءها. فقد صدرت عن أوساط محافظة ويمينية اتهامات تشير إلى جماعات يسارية متطرفة وتأثيرات إسلاموية، فضلاً عن مزاعم بوجود اختراق أيديولوجي للمؤسسات. وهذه الاتهامات ليست جديدة في فرنسا، إذ ترتبط بمصطلح خلافي يُستخدم منذ سنوات في النقاشات السياسية، وهو "الإسلاموية اليسارية". ويشير هذا التعبير إلى وجود ارتباط مزعوم بين التيارات السياسية اليسارية وما يُسمى بالإسلاموية. وقد استخدم في فرنسا خلال السنوات الأخيرة خصوصاً لوضع أجزاء من اليسار، والمبادرات المناهضة للعنصرية، والبحوث المتعلقة بمرحلة ما بعد الاستعمار، تحت طائلة الشك.
وتصاعد الجدل في عام 2021، عندما أعلنت وزيرة التعليم العالي آنذاك، فريديريك فيدال، عن نيتها إجراء تحقيق بشأن ما وصفته بـ«الإسلاموية-اليسارية» في الجامعات. لكن "المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي" (CNRS) اعترض على التصور القائل إن هذا المصطلح يشير إلى تيار علمي محدد. وأوضح أن المصطلح لا يصف واقعاً علمياً واضحاً يمكن تحديده، وأنه يُستخدم لأغراض سياسية. وما يمكن تأكيده هو أن هذه الاحتجاجات لا يمكن اختزالها في أيديولوجية واحدة، أي كان توجهها. فهي تشير إلى أوجه التفاوت المادي والاجتماعي، وإلى حالة المؤسسات العامة، وإلى نظام سياسي يشعر كثيرون بأنهم لا يجدون فيه تمثيلاً كافياً لهم.
Open Questions
- هل ستنجح الحكومة في احتواء الغضب الشعبي؟
- ما مدى تأثير هذه الاحتجاجات على الانتخابات القادمة؟







