تقنيات الذكاء الاصطناعي بين توثيق الصور واستهلاك الطاقة وحوكمتها
ميزات جديدة لهواتف «آيفون» للتحقق من أصل الصور، ونقاشات في منتدى الرياض لربط الذكاء الاصطناعي بكفاءة الطاقة
Quick Look
تستعرض أبل ميزة «صورة أبل المرجعية» للتحقق من أصالة الصور ومواجهة التلاعب بالذكاء الاصطناعي، بينما يناقش المنتدى العالمي لليونيسكو في الرياض العلاقة المزدوجة بين الذكاء الاصطناعي واستهلاك الطاقة.
AI-generated summary
Why It Matters
ناقش المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي بالرياض التوازن بين استهلاك الطاقة للتقنية واستخدامها في تحسين الكفاءة.
في وقت أصبحت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج صور شديدة الواقعية وتعديل الصور الفوتوغرافية بطريقة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمصطنع، تبرز مسألة جديدة تتجاوز جودة الصورة نفسها: كيف يمكن إثبات أن ما نراه في صورة ما حدث بالفعل؟ ويبدو أن شركة «أبل» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال ميزة جديدة أضافتها إلى هاتف «آيفون 18 برو» (iPhone 18 Pro)، تتيح إنشاء نسخة من الصورة يمكن التحقق من أصالتها ومصدرها.
وتتضمن كاميرا هاتف «آيفون 18 برو» الجديد من شركة «أبل» ميزة غير بارزة تهدف إلى معالجة إحدى أكبر المشكلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».
وكشفت «أبل» النقاب عن الهاتف الجديد الأسبوع الماضي خلال حدث ركزت فيه الشركة بصورة كبيرة على الكاميرا باعتبارها إحدى الميزات الرئيسية للجهاز. وسلطت «أبل» الضوء على ميزة جديدة لفتحة العدسة المتغيرة، تتيح للكاميرا العمل بكفاءة أعلى بكثير في ظروف الإضاءة المنخفضة، إلى جانب مجموعة من الأدوات البرمجية الجديدة التي تمنح المستخدمين تحكماً أكبر في الصور.
غير أن هناك ميزة أخرى لم تحظَ إلا بإشارة عابرة خلال الحدث، رغم أنها قد تمثل تغييراً أكثر أهمية في الطريقة التي تُشارك بها الصور عبر الإنترنت. وتحمل هذه الميزة اسم «صورة أبل المرجعية» (Apple Reference Image)، وتهدف إلى تمكين المصورين من إنشاء نسخة غير معدّلة وقابلة للتحقق من صحتها للصور التي يلتقطونها بواسطة كاميرا «آيفون». وبذلك، يمكن للمصور أن يقدم دليلاً على أن الصورة توثق مشهداً حقيقياً شاهده والتقطه بالفعل، بدلاً من أن تكون صورة مولدة أو معدلة بصورة جوهرية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتستهدف هذه الخطوة مشكلة واسعة النطاق تزداد تعقيداً مع التطور السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي، تتمثل في صعوبة إثبات أن الصورة حقيقية بالفعل، وأنها تعكس الواقع كما يُفترض أن تفعل. فمع تزايد قدرات هذه الأدوات وانتشارها على نطاق واسع، تنامت حالة عدم الثقة تجاه المحتوى المرئي بمختلف أنواعه، بما في ذلك الصور الفوتوغرافية، نتيجة سهولة تزويرها أو تعديلها بطرق تبدو مقنعة للغاية.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على الأدوات الخارجية المخصصة لتوليد الصور أو تعديلها؛ إذ توفر شركة «أبل» نفسها بالفعل بعض الأدوات التي تتيح إجراء تعديلات على الصور. فعلى سبيل المثال، تتضمن هواتفها الحديثة أداة «Clean Up» (التنظيف)، التي تتيح للمستخدمين إزالة العناصر المشتتة للانتباه من خلفية الصورة.
وتزداد المسألة تعقيداً مع التطور الكبير الذي شهدته تقنيات معالجة الصور المدمجة في الهواتف الذكية. فقد أصبحت العديد من كاميرات الهواتف اليوم تعتمد على أدوات معالجة وتحرير بالغة التطور، مما يجعل الصورة النهائية في بعض الحالات مختلفة بدرجة كبيرة عن المعلومات التي التقطها مستشعر الكاميرا في الأصل.
وعلى سبيل المثال، اكتشف مستخدمو هواتف «سامسونغ» في عام 2023 أن أدوات المعالجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي صُممت لتحسين مظهر الصور، يمكن أن تستبدل بعض العناصر الأصلية بعناصر مصطنعة بالكامل. فعندما يحاول المستخدم، مثلاً، التقاط صورة للقمر، يمكن للهاتف التعرف على ما يحاول تصويره، ثم استبدال الصورة التي التقطها المستشعر بنسخة مصطنعة وأكثر وضوحاً للقمر، مما يثير تساؤلات حول مدى تعبير الصورة النهائية عن المشهد الذي التقطه المستخدم فعلياً.
وفي ورقة بيضاء نُشرت حول «صورة أبل المرجعية» (Apple Reference Image)، أقرت شركة «أبل» بأن الإتاحة السهلة لأدوات الذكاء الاصطناعي أتاحت تقديم «ميزات مفيدة»، من بينها الأدوات الموجودة في هواتفها الخاصة. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن هذه الأدوات ذاتها «تجعل من الصعب التمييز بين الصور التي توثق أحداثاً حقيقية والصور المصطنعة التي خضعت لتعديلات جوهرية أو تم إنشاؤها بالكامل».
وتوضح الشركة أن «هذه المشكلة ليست سهلة الحل»، مشيرةً إلى أن الكاميرات الحديثة تتضمن مجموعة من «خوارزميات معالجة الصور المتطورة لإنتاج الصورة النهائية القابلة للعرض». ومن ثم، فإن أي نظام يهدف إلى التحقق من صحة الصور يجب ألا يكتفي بفحص الصورة النهائية، بل ينبغي أن يكون قادراً أيضاً على التحقق من البرمجيات المستخدمة في معالجتها، إلى جانب البيانات التي وصلت فعلياً من مستشعر الكاميرا.
ومن هذا المنطلق، تسعى «صورة أبل المرجعية» إلى توفير وسيلة تساعد في الفصل بين الصورة التي التقطتها الكاميرا فعلياً والصورة التي خضعت لاحقاً لتعديلات أو تغييرات كبيرة.
هناك مفارقة تكبر مع ازدياد اعتماد العالم على الذكاء الاصطناعي: فالخوارزميات التي ننتظر منها أن تجعل حياتنا ومدننا وصناعاتنا أكثر كفاءة، تحتاج هي نفسها إلى مراكز بيانات ضخمة، وكميات متزايدة من الكهرباء والمياه، وبنية تحتية تمتد آثارها إلى ما وراء العالم الرقمي.
لكن ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي، الذي يستهلك الطاقة، قادراً في الوقت نفسه على مساعدتنا في توفيرها؟
هذا السؤال برز بقوة في المنتدى العالمي الرابع لليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المنعقد في فندق «الريتز كارلتون» بالرياض من 15 إلى 17 سبتمبر (أيلول) 2026، حيث اتسع النقاش من المبادئ التقليدية للذكاء الاصطناعي المسؤول إلى سؤال أكثر عملية: كيف يمكن تحويل هذه المبادئ إلى قرارات وأدوات قابلة للتطبيق والقياس؟
وخلال المنتدى، أطلقت «اليونيسكو» أدوات جديدة، من بينها النسخة المطورة من «منهجية تقييم الجاهزية» (RAM 2.0)، وأداة للذكاء الاصطناعي والبيئة تهدف إلى مساعدة صناع السياسات على تقليل البصمة البيئية لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وفي الوقت نفسه استثمار قدراتها في العمل المناخي وحماية التنوع الحيوي وتعزيز مرونة النظم البيئية. ووفق «اليونيسكو»، أكملت 58 دولة بالفعل تقييمات الجاهزية باستخدام منهجيتها.
علاقة تسير في اتجاهين
وفي جلسة تناولت «الذكاء الاصطناعي والبيئة والنظم البيئية والطاقة»، طرح يحيى خوجة، المدير العام للذكاء الاصطناعي وتطوير الأعمال في وزارة الطاقة السعودية، معادلة لافتة لهذه العلاقة.
وأوضح، مستشهداً بما يؤكد عليه وزير الطاقة السعودي، أن العلاقة بين الطاقة والذكاء الاصطناعي تسير في اتجاهين: فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الطاقة كي يواصل نموه المتسارع، بينما يستطيع قطاع الطاقة، في الاتجاه المقابل، الاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي وحلوله لرفع الكفاءة ومعالجة تحدياته.
وهنا، بحسب خوجة، يبرز أمام الحكومات تحدي «التوازن»: كيف يمكن دعم نمو التكنولوجيا ومراكز البيانات، وفي الوقت نفسه استخدام الموارد بكفاءة، ومراعاة الاستدامة والاعتبارات البيئية والاقتصادية؟
وطرح خوجة بعداً آخر يتعلق بالدور الذي يمكن أن تؤديه السعودية بوصفها «دولة للحلول»، قادرة على تطوير تجارب وممارسات يمكن مشاركتها مع العالم.
الذكاء الاصطناعي... مفتش للطاقة
ولم يبقَ الحديث عند مستوى المفاهيم. فقد عرض خوجة مثالاً على استخدام البيانات والتحليلات الذكية لفهم استهلاك الكهرباء وكفاءة الطاقة في الأصول والمرافق الحكومية، من المنشآت التعليمية والصحية إلى إنارة الشوارع.
ويكمن التحدي في الحجم؛ فعندما تنتشر أعداد هائلة من الأصول على مساحة جغرافية واسعة، يصبح إرسال فرق بشرية لفحص كل منشأة وتحديد مواقع الكفاءة والهدر مهمة بالغة التعقيد. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات ضخمة من البيانات، ورصد الأنماط غير الطبيعية في الاستهلاك، والمساعدة في تحديد المواقع التي تستحق الفحص أو الصيانة أو تحسين الكفاءة، بما يسمح بتوجيه التدخل البشري إلى حيث تكون الحاجة أكبر.
وهكذا تظهر المفارقة بوضوح: الذكاء الاصطناعي ليس مستهلكاً للطاقة فقط؛ بل قد يصبح أداة لاكتشاف هدرها.
العلم يؤكد المفارقة
وتجد هذه العلاقة المزدوجة سنداً في أبحاث حديثة. ففي مراجعة علمية نشرتها مجلة Nature Reviews Clean Technology في يوليو (تموز) 2026، حذَّر الباحثون من أن التوسع المتسارع لمراكز البيانات الداعمة للذكاء الاصطناعي يفرض ضغوطاً متزايدة على شبكات الكهرباء والمياه والانبعاثات، وتشير بعض التقديرات التي استعرضتها الدراسة إلى أن الطلب المرتبط بمراكز البيانات قد يرتفع بصورة حادة حتى عام 2028، مع سيناريوهات تصل إلى نحو 650 تيراواط/ساعة سنوياً للذكاء الاصطناعي وحده.
لكن الوجه الآخر للمفارقة يظهر في دراسة منشورة عام 2026 حول استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة الطاقة في المباني. وباستخدام التنبؤ بالاستهلاك والتكيف الديناميكي مع ظروف التشغيل، انخفض متوسط الاستهلاك اليومي في المجموعة التجريبية من 218.4 إلى 174.5 كيلوواط/ساعة مقارنةً بنظام التحكم التقليدي. ولا يمكن تعميم هذه النتيجة على جميع المباني، لكنها تقدم مثالاً عملياً على قدرة الذكاء الاصطناعي على إدارة الطاقة، لا استهلاكها فقط.
الإجابة ليست تقنية
لكن ربما جاءت أكثر ملاحظات خوجة دلالة عندما سُئل عن النصيحة التي يقدمها لحكومة تحاول المواءمة بين سياسات الذكاء الاصطناعي والطاقة.
لم تكن إجابته خوارزمية جديدة أو مركز بيانات أكثر تطوراً، بل قال: «لا أعتقد أن الإجابة تقنية... الإجابة في الحقيقة هي الحوار». وأوضح أن المطلوب هو جمع أصحاب المصلحة لمناقشة الأسئلة الصعبة؛ فهي لا تُحسم في جلسة واحدة أو خلال ثوانٍ، وإنما تحتاج إلى الاستماع إلى الأطراف المختلفة والتحرك بصورة جماعية.
وهنا ربما نصل إلى جوهر أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مرحلتها الجديدة: فالحوكمة لا تتحقق بكتابة المبادئ وحدها، والاستدامة لا تتحقق بمجرد وصف التكنولوجيا بأنها «خضراء». بل ينبغي أن تجلس جهات الذكاء الاصطناعي والطاقة والبيئة والاقتصاد والتنظيم حول الطاولة نفسها.
من المبادئ إلى التنفيذ
منذ اعتماد توصية اليونيسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي عام 2021، بدأ السؤال العالمي يتحول من «ما المبادئ التي نريدها؟» إلى «كيف نطبقها ونقيس نتائجها؟». وفي منتدى الرياض، يبدو هذا الانتقال واضحاً في السعي إلى تحويل الحوكمة الأخلاقية من مبادئ عامة إلى أدوات وقرارات قابلة للتطبيق.
وفي قطاع الطاقة يصبح الاختبار ملموساً: مركز بيانات، شبكة كهرباء، مبنى حكومي أو مستشفى. فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى الطاقة كي يتقدم، والطاقة تستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي كي تصبح أكثر كفاءة.
أما ما يربط الاثنين بمستقبل مستدام، فقد لا يكون خوارزمية أخرى... بل حوكمة تعرف كيف تجمع التكنولوجيا والطاقة والإنسان حول القرار نفسه.
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
ارتفاع الطلب المرتبط بمراكز البيانات حتى عام 2028
Likely · Within months
Open Questions
- كيف ستتعامل منصات التواصل مع ميزة صورة أبل المرجعية؟
- هل ستتبنى شركات الهواتف الأخرى تقنيات مشابهة للتحقق؟







