الروس في مالي: خمس سنوات من التدخل العسكري وصراع متصاعد
Quick Look
بعد نحو خمس سنوات على بدء التدخل العسكري الروسي في مالي، يواجه المقاتلون الروس ضغوطًا متزايدة في حرب لم تنجح القوة في حسمها، مع استمرار هجمات الجماعات المسلحة ورد الجيش المالي بالقصف، وتوقع أن يكون عام 2026 أحد أكثر الأعوام دموية في تاريخ البلاد، حيث قتل نحو 4 آلاف شخص منذ يناير 2026 وفقًا لمنظمة أكليد، بينما تسعى روسيا للحصول على موارد مثل الذهب والليثيوم والنفوذ السياسي، وتواجه القوات المالية والروسية اتهامات بانتهاكات بحق المدنيين.
AI-generated summary
Why It Matters
بدأ التدخل الروسي في مالي عام 2021 بدعوة من المجلس العسكري المالي بعد انسحاب القوات الغربية وبعثة الأمم المتحدة، بهدف دعم الجيش في مواجهة المتمردين الإسلاميين الذين ينتشرون في البلاد منذ 2012.
بعد نحو خمس سنوات على بدء تدخلهم العسكري في مالي، يواجه المقاتلون الروس ضغوطًا متزايدة في حرب لم تنجح القوة في حسمها. فالجماعات المسلحة تواصل هجماتها، والجيش المالي يرد بالقصف، فيما يهدد عام 2026 بأن يكون واحدًا من أكثر الأعوام دموية في تاريخ البلاد.
كان الروس قد دخلوا مالي بهدف دعم الجيش في صراع عجزت عن إنهائه من قبل العمليات العسكرية الغربية وبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، التي شاركت فيها قوات ألمانية. لكن الواقع الميداني اليوم يبدو أكثر دموية. فجماعة " نصرة الإسلام والمسلمين " (JNIM)، التابعة لتنظيم القاعدة، تشن هجمات شبه يومية على مواقع الجيش والقرى، بينما تقصف القوات الحكومية معسكرات الجماعة والمتمردين وقرى مدنية.
وفي خضم هذا القتال، يواصل المقاتلون الروس وجودهم في البلاد، ويصفون أنفسهم في إحدى القنوات الإلكترونية باسم "الأعمام البيض في أفريقيا"، حيث ينشرون تفاصيل من يومياتهم الدموية.
كيف بدأ الوجود الروسي؟
تعود بداية التدخل الروسي إلى عام 2021، عندما عرضت موسكو على مالي مقاتلين من شركة " فاغنر" العسكرية الخاصة لمساندة الجيش في مواجهة المتمردين. وكانت الجماعات الإسلامية المسلحة قد بدأت منذ عام 2012 في الانتشار داخل مالي، مستخدمة العنف الشديد في بلد تمتد أراضيه إلى عمق الصحراء الكبرى.
في ذلك الوقت، كان أسيمي غويتا قد وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري. ومع اشتراط فرنسا استمرار دعمها العسكري بعودة البلاد إلى حكومة مدنية، اختارت السلطات العسكرية في مالي التوجه نحو موسكو. وانسحبت القوات الغربية من البلاد، ثم طلب المجلس المالي في عام 2023 أيضًا مغادرة بعثة الأمم المتحدة "مينوسما".
ومنذ نهاية عام 2021، يشارك المقاتلون الروس في العمليات العسكرية داخل مالي. ويقدر خبراء عددهم بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف مقاتل، وهم يخضعون حاليًا لوزارة الدفاع الروسية تحت اسم "الفيلق الأفريقي".
ماذا تريد روسيا من مالي؟
لا يقتصر الوجود الروسي على الجانب العسكري. فخبراء يقدرون تكلفة انتشار المقاتلين الروس بنحو 10 ملايين دولار شهريًا. وتحصل موسكو، إلى جانب ذلك، على موارد مثل الذهب والليثيوم، فضلًا عن النفوذ السياسي، وفرصة تقديم نفسها شريكًا أمنيًا لحكومات أفريقية أخرى.
وقد ساعد الدعم الروسي الجيش المالي بالفعل، في البداية، على استعادة أجزاء من شمال البلاد. لكن هذا التقدم لم يوقف توسع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التي واصلت توسيع انتشارها بشكل واضح. ومع ذلك، لا تعترف السلطات في مالي ولا روسيا بالمشكلات التي تواجه القوات على الجبهة. ففي يوليو/ تموز، وصفت موسكو التطورات في البلاد بأنها "إيجابية ومشجعة".
أربعة آلاف قتيل منذ بداية العام
وعلى الأرض، تكشف أرقام الضحايا صورة مختلفة. فوفق بيانات منظمة "أكليد" لرصد النزاعات، قُتل نحو 4 آلاف شخص في مالي منذ يناير/ كانون الثاني، وهو عدد يقارب إجمالي القتلى خلال عامي 2024 و2025 معًا. وبين هؤلاء مئات المدنيين. ويرى هيني نسيبيا، محلل "أكليد"، أن وجود الروس حال دون سقوط بعض المدن والمناطق التي كان من الممكن أن تسيطر عليها الجماعات المسلحة.
ويقول إن الروس "منعوا بهذه الطريقة انهيار النظام والجيش المالي بشكل أسرع"، لكنه يضيف أنهم "ساهموا أيضًا في زيادة وحشية الصراع بشكل كبير". وكان أبريل/ نيسان شاهدًا على تصعيد جديد، عندما هاجمت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" ومتمردونانفصاليون من الطوارق، تحالفوا معها، ست مدن، بينها ضاحية للعاصمة باماكو.
وخلال إحدى الهجمات، قُتل وزير الدفاع ساديو كامارا في تفجير انتحاري. وكان كامارا من أبرز الداعمين للاتفاق مع الروس.
كما تمكن المتمردون من استعادة أجزاء مهمة من شمال البلاد. ومنذ ذلك الحين، يستمر القتال بوتيرة شبه يومية: الجماعات المسلحة تهاجم مواقع الجيش، والقوات الحكومية تستهدف الجماعة ومعسكرات المتمردين. وبين الطرفين، تتعرض أيضًا قرى ومدن مدنية للهجمات. وبحسب الأمم المتحدة، بلغ عدد الأشخاص الذين اضطروا إلى الفرار من مناطقهم نحو 750 ألفًا.
لماذا تستمر الجماعات المسلحة في التوسع؟
لا تدور الحرب حول السيطرة العسكرية وحدها. ففي مناطق كثيرة، تحولت الجماعات الإسلامية المسلحة، في ظل ضعف الدولة، إلى ما يشبه قوة تفرض النظام. وتعتمد في تمويلها على أموال الحماية، وتعدين الذهب، والتهريب وعمليات الاختطاف، كما تستفيد من المشكلات المحلية.
وترى الباحثة المتخصصة في منطقة الساحل هانا راي أرمسترونغ أن ضعف النظام الحكومي في المناطق الريفية يمثل عاملًا أساسيًا في استمرار الأزمة. وتقول أرمسترونغ إن روسيا ترتكب كثيرًا من الأخطاء نفسها التي ارتكبتها فرنسا من قبل: محاولة فرض النظام بالقوة، مع تجاهل أسباب التمرد، بل والمساهمة أحيانًا في استمرارها.
اتهامات بانتهاكات بحق المدنيين
وبالتوازي مع القتال، تواجه القوات المالية والروسية اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين. فقد تحدث مدافعون عن حقوق الإنسان عن عمليات قتل وتعذيب، بينما قال خبراء تابعون للأمم المتحدة ومنظمة "هيومن رايتس ووتش" إنهم وجدوا أدلة موثوقة على قتل وتعذيب أشخاص غير مشاركين في القتال.
كما تحدثت نساء ماليات عن تعرضهن للاغتصاب على أيدي مقاتلين بيض. لكن الجماعات الإسلامية المسلحة بدورها ترتكب أعمال عنف خطيرة بحق المدنيين. ورغم ذلك، تتجه بعض القرى إليها، إذ يرى نسيبيا أن الأساليب العنيفة التي تتبعها القوات المالية والروسية وفرت لجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" دعمًا من بعض المجتمعات المتضررة، وسهلت عليها تجنيد مقاتلين جدد. ورفضت مالي اتهامات سابقة بارتكاب انتهاكات خطيرة أو أعلنت فتح تحقيقات بشأنها، بينما لم ترد مالي وروسيا على أحدث الاتهامات.
هل يمكن أن تنسحب روسيا؟
رغم الانتكاسات، لا يبدو انسحاب المقاتلين الروس من مالي قريبًا. ويصف نسيبيا الوجود الروسي بأنه "شريان الحياة" بالنسبة إلى النظام، محذرًا من أن انسحاب الروس اليوم أو غدًا سيؤدي إلى تحول كبير في ميزان القوى لمصلحة المتمردين.
لكن أهداف موسكو تختلف عن أهداف الشركاء السابقين لمالي. فبحسب أرمسترونغ، لا تسعى روسيا بالدرجة نفسها إلى تحقيق الاستقرار في البلاد، وإنما يركز نموذجها على هدفين أساسيين: حماية المجلس العسكري وحماية المناجم.
وهكذا أصبحت مالي اختبارًا لنموذج روسيا الأمني في أفريقيا. ويقول أولف لايسينغ، الذي تولى حتى قبل بضعة أشهر إدارة برنامج الساحل في باماكو لدى مؤسسة كونراد أديناور، إن روسيا ومالي "أصبحتا الآن تعتمدان على بعضهما البعض".
وبالنسبة إلى موسكو، فإن التحدي يتمثل في إثبات قدرتها على الدفاع عن النظام في باماكو. ويقول لايسينغ إنه إذا فشلت في ذلك، فلا يرى كيف يمكن لروسيا أن تجد عميلًا آخر لـ"الفيلق الأفريقي" في أفريقيا.
تحرير: عارف جابو
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
سيستمر القتال في مالي بوتيرة عالية خلال عام 2026 مع احتمال زيادة عدد القتلى والنازحين
Likely · Within months
سيزداد الضغط الدولي على مالي وروسيا بسبب اتهامات الانتهاكات بحق المدنيين
Likely · Within months
ستسعى روسيا لتعزيز وجودها في مالي لحماية مصالحها في المناجم والنفوذ السياسي رغم التكاليف البشرية والمادية
Possible
Open Questions
- ما هي التكلفة المالية الدقيقة للوجود الروسي في مالي وكيف يتم تمويله؟
- هل ستنجح روسيا في تحقيق أهدافها الأمنية والاقتصادية في مالي على المدى الطويل؟
- ما هي الخطوات المتخذة لمحاسبة المتورطين في الانتهاكات بحق المدنيين؟
- كيف سيؤثر استمرار الصراع على استقرار منطقة الساحل الأوسع؟






