إدغار بيرا وجمال مليكة: السينما كأداة للتفكير والفن كجسر للذاكرة
المخرج البرتغالي إدغار بيرا يستعرض فيلمه الجديد عن تنظيم FP-25، والفنان جمال مليكة يفتتح معرضه 'نوستالجيا' بالقاهرة
Quick Look
يتناول التقرير فيلم المخرج البرتغالي إدغار بيرا 'حرب العصابات على الأسفلت' الذي يمزج بين التاريخ والذاكرة الشخصية، ومعرض الفنان جمال مليكة 'نوستالجيا' في القاهرة الذي يستعيد ذكريات الأماكن المصرية عبر لوحات تعبيرية وتأثيرية.
AI-generated summary
Why It Matters
يتحدث المقال عن عملين فنيين: فيلم وثائقي عن تنظيم FP-25 البرتغالي ومعرض فني للفنان جمال مليكة يستعرض تراث مصر.
قال المخرج البرتغالي إدغار بيرا إن كتاب «حرب العصابات على الأسفلت... جماعة FP-25 والزمن البرتغالي»، للكاتب والعضو السابق في التنظيم مانويل ريكاردو دي سوزا، شكَّل نقطة البداية لفيلمه الجديد «حرب العصابات على الأسفلت»، غير أن المشروع اتخذ مساراً مختلفاً مع تطوره، فتحوَّل من معالجة لوقائع تاريخية إلى فيلم يمزج بين الذاكرة الشخصية والسياسة والسينما.
وأضاف بيرا، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن العمل أصبح بالنسبة إليه رحلةً عبر أكثر من 4 عقود من حياته وأفلامه، لا مجرد استعادة لحدث وقع في الماضي، مؤكداً أن ما يشغله اليوم ليس إعادة سرد تاريخ التنظيم وتجربة دي سوزا داخله، وإنما طرح أسئلة عن الحاضر والمستقبل من خلال الصورة السينمائية.
وأوضح أن المشروع بدأ قبل سنوات طويلة، ولم يأتِ استجابةً للأحداث السياسية الراهنة، كما قد يعتقد البعض، مشيراً إلى أن الفكرة ظلَّت تراوده منذ أن قرأ الكتاب في مطلع التسعينات، فيما جاءت الخطوة الفعلية خلال جائحة «كورونا»، عندما كتب السيناريو مع فريق العمل، ونجح في الحصول على التمويل اللازم لإنجاز الفيلم.
وأضاف المخرج أن المنتج رودريغو أرياس لعب دوراً محورياً في توسيع رؤية المشروع؛ إذ اقترح ألا يقتصر العمل على رواية قصة التنظيم المسلح، بل أن يتحول أيضاً إلى تأمل في رحلة بيرا الشخصية مع السينما، وفي مفهوم «سينما حرب العصابات» الذي ظل يؤمن به طوال مسيرته.
وتدور أحداث «حرب العصابات على الأسفلت»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «لوكارنو السينمائي»، في البرتغال مطلع ثمانينات القرن الماضي. ويستند الفيلم إلى وقائع حقيقية، لكنه يقدمها في قالب يمزج بين الواقع والخيال، ويروي قصة طالب جامعي هادئ يجد نفسه منخرطاً في تنظيم راديكالي، قبل أن تنتهي رحلته بصورة مأساوية عقب عملية سطو على أحد البنوك، إذ يُقتل برصاص الشرطة، ثم تتعرض جثته للتنكيل على يد الحشد.
ويسلط المخرج الضوء على تجربة مانويل ريكاردو دي سوزا داخل التنظيم المسلح، ويزاوج بينها وبين رحلته الشخصية في صناعة الأفلام وفق أسلوب «سينما حرب العصابات». وهكذا تتشابك الحكايتان في عمل يطمس الحدود بين التاريخ والسيرة الذاتية، وبين النضال السياسي والتمرد الفني.
وقال بيرا إنه حرص منذ البداية على ألا يتحول الفيلم إلى عمل يغرق في اجترار صدمات الماضي، موضحاً أنه أخبر منتجه، منذ المراحل الأولى، بأنه يريد صناعة فيلم يتطلع إلى المستقبل أكثر مما ينشغل بالماضي.
وأضاف أن هذا التوجه دفع المشروع إلى التغير تدريجياً؛ فلم يعد مجرد معالجة لقصة تنظيم سياسي، بل أصبح فيلماً متعدد الطبقات، يطرح وجهات نظر مختلفة بشأن الواقع المعاصر والسينما نفسها، بوصفها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها فهم العالم وإعادة مساءلته.
وأوضح أن الفيلم يتناول أيضاً معنى الاستقلال في صناعة السينما، مؤكداً أن هذه القضية أصبحت، بالنسبة إليه، لا تقل أهمية عن الموضوع السياسي الذي يتناوله العمل. وأشار إلى أن السؤال الحقيقي لم يكن كيف يروي أحداث الثمانينات، وإنما كيف يحافظ الفنان اليوم على استقلاله الفكري والإبداعي في عالم تتزايد فيه الضغوط التجارية والآيديولوجية؛ فالسينما، بالنسبة إليه، ليست مجرد وسيلة للحكي، بل طريقة للتفكير واختبار الأفكار.
وأضاف أن أصعب ما واجهه خلال تنفيذ الفيلم لم يكن تحويل الكتاب إلى سيناريو؛ لأن الاقتباس الأدبي، في رأيه، يظل مسألة يمكن التعامل معها فنياً، وإنما بدأ التحدي الحقيقي عندما تحول المشروع إلى رحلة في حياته الشخصية.
وقال إنه اضطر إلى العودة إلى أرشيف يمتد لأكثر من 40 عاماً، ويضم صوراً وأشرطة صوتية ولقطات صوّرها منذ بداياته، إلى جانب ذكريات عائلية وتجارب شخصية مرتبطة بأصدقاء وأحداث تركت أثراً عميقاً في حياته؛ مما جعل عملية الكتابة أكثر تعقيداً بكثير مما كان يتوقع.
وأكد أن السيناريو لم يكتمل فعلياً إلا داخل غرفة المونتاج؛ إذ أعاد مشاهدة هذا الكم الهائل من المواد الأرشيفية، واختار منها ما يخدم رؤيته النهائية. وأشار إلى أنه أمضى أكثر من عام في مشاهدة أرشيفه الشخصي، قبل أن يبدأ بناء الشكل النهائي للفيلم.
ورأى أن تلك المرحلة كانت الأصعب على المستوى النفسي؛ لأنها فرضت عليه مواجهة ماضيه بكل ما يحمله من لحظات سعيدة ومؤلمة في آنٍ واحد، لكنه كان مقتنعاً بأن تلك المواجهة ضرورية حتى يكون الفيلم صادقاً مع نفسه ومع جمهوره.
وشدد بيرا على أنه لم يكن معنياً بتقديم شخصيات الفيلم بوصفها أبطالاً أو أشراراً، وإنما أشخاصاً وقعوا تحت تأثير أفكار وأيديولوجيات مختلفة. وأوضح أن كل ما يقدمه هو وجهة نظره، إلى جانب وجهات نظر أخرى، من بينها ما قدمته وسائل الإعلام عن تلك المرحلة، حتى يكوّن الجمهور حكمه بنفسه. وأكد أنه لا يريد أن يحل محل القاضي، بل يفضّل أن يكون «المشاهد هو هيئة المحلفين» التي تتوصل إلى استنتاجاتها الخاصة.
وأوضح أن الجانب الوحيد الذي يتبنى فيه موقفاً واضحاً داخل الفيلم يتعلق بطريقة صناعة السينما نفسها؛ إذ يقارن بين نموذجين مختلفين في التعامل مع المادة السينمائية. ولفت إلى أن أحدهما يمثّل السينما التي تُصنع وفق متطلبات المنصات الكبرى والإنتاجات الضخمة، في حين يمثّل الآخر السينما التي يؤمن بها، والتي تعتمد على الكاميرا المحمولة والعمل بحرية في الشارع، بعيداً عن القيود الإنتاجية.
وأضاف أن هذا هو الموقف الوحيد الذي يتبناه بوضوح داخل الفيلم؛ لأنه يرى أن استقلالية صناعة الفيلم لا تقل أهمية عن استقلالية الفكرة نفسها.
وأشار إلى أن الفيلم سيظل قابلاً لتوليد قراءات جديدة حتى بعد سنوات؛ لأن ما يطرحه لا يرتبط بحدث تاريخي بعينه، وإنما بأسئلة تتجدد مع الزمن. وأوضح أنه ربما يشاهد الفيلم بعد 10 سنوات بطريقة مختلفة، لكنه يعتقد أن الإحساس الذي يحمله سيبقى كما هو؛ لأن القضايا التي يناقشها تتجاوز زمن الحكاية نفسها.
واختتم بيرا حديثه مؤكداً أن الحرية ستظل القضية التي تشغله في جميع أفلامه، سواء تجلّت في السياسة أم الفن أم طريقة صناعة السينما. واعتبر أن الفيلم، رغم انطلاقه من واقعة تاريخية، لا يتحدث في النهاية عن تنظيم مسلح أو مرحلة سياسية بعينها، بل عن الإنسان واختياراته ومسؤوليته في الدفاع عن استقلال التفكير، في عالم تتزايد فيه محاولات فرض اليقين وإلغاء الشك.
انطلاقاً من شغفه بالتراث المصري القديم، ومباني وشوارع وأزقة القاهرة التاريخية، والعادات والتقاليد ومظاهر الحياة اليومية في الأحياء الشعبية، يطلق الفنان المصري المقيم في إيطاليا، جمال مليكة، معرضه الأحدث الذي اختار له عنوان «نوستالجيا».
المعرض الذي يحوي 30 لوحة تنتمي إلى المدرستين التعبيرية والتأثيرية، افتتحه، السبت، اللواء خالد فودة، مستشار رئيس الجمهورية للتنمية المحلية، في «غاليري بيكاسو» بالزمالك (وسط القاهرة)، ويستمر حتى 28 سبتمبر (أيلول) الجاري، ويضم 4 مجموعات فنية من اللوحات التي تلعب فيها الأماكن دور البطولة، بوصفها مسرح الذكريات وخزائن الماضي.
في حديث له مع «الشرق الأوسط»، قال الفنان جمال مليكة، إن فكرة معرض «نوستالجيا» نابعة من حنينه إلى الماضي ورغبته في استعادة ذكرياته في مصر، وخصوصاً الأماكن التي عاش فيها في ريف مصر بالمنيا، وذكرياته مع النيل والقاهرة التاريخية والفاطمية، بشوارعها ومبانيها ومعالمها التراثية الخلابة.
تتوزع لوحات المعرض في مجموعات تعبِّر كل منها عن مساحة متفردة من الحنين، فهناك المعالم التراثية، ومنها مقابر الإمام الشافعي بقبابها المميزة، وشارع المعز، وهناك مجموعة أخرى يتجلى فيها سحر النيل الذي تغازله فرشاة الفنان بأسلوبه الخاص في التصوير والتلوين. وفي مجموعة لوحات أخرى نجد الخضرة الممتدة على مساحات واسعة تحدها سماء يختلط أزرقها مع الأبيض الحليبي، لتجسد أجواء القرية المصرية بتفاصيلها المختلفة، بينما تبرز مجموعة رابعة ترصد الحارة الشعبية أو شوارع المدينة الحديثة، التي تنتشر فيها عناصر مختلفة، مثل البنايات المزدحمة والسيارات الحديثة و«التكاتك»، وبعضها يرصد عادات وتقاليد احتفالية، مثل زينة الأفراح، وزينة رمضان، وغيرها.
ويؤكد الفنان اختلاف المستويات اللونية التي استخدمها مع تعدد واختلاف حالة «النوستالجيا» التي سيطرت عليه. ويقول: «في الريف رسمت ذكرياتي في الحقول من واقع عزبة جدي في المنيا، وسيطر اللون الأخضر على مساحات من العمل، بينما في القاهرة الفاطمية نحن نتحدث عن مبانٍ قديمة مشهورة بألوانها البُنية والصفراء. وفي الحارات والشوارع الشعبية تغلب ألوان مبهرجة وساخنة بعض الشيء، بينما تعتمد لوحات النيل على الألوان الباردة، مثل الأزرق»؛ لافتاً إلى أنه في لوحات النيل رصد علاقته بالنيل منذ الصغر، والتنقل من جزيرة شارونة ومغاغة بالمنيا إلى الضفة الأخرى من النهر، عبر المركب الشراعي، وهو ما رسمه في لوحات تستعيد تلك الفترة وهذه الذكريات.
وبخصوص الحارة الشعبية، يؤكد جمال مليكة الذي قدَّم عشرات المعارض خلال مشواره الفني في مصر وإيطاليا ودول أخرى حول العالم، أنه أفرد من قبل معرضاً خاصاً عن الحارة والأسواق الشعبية في مصر، ومن هذه الفترة جاءت لوحات ترصد الأسواق والزحام، وكثيراً من المظاهر التي قد تبدو عشوائية من جهة وحميمية من جهة أخرى.
وحول أسلوبه الفني والمدرسة التي ينتمي لها، يقول: «أصل الفن كله في رأيي هو التعبير والتأثير؛ سواء كانت المدرسة الفنية تكعيبية أو سريالية أو تجريدية أو غيرها؛ كلها يجب أن تخضع أو تندرج في النهاية للتعبير والتأثير، فإن لم تكن اللوحة مؤثرة ومعبرة تكون فاقدة لفلسفة الإبداع الفني»، على حد قوله.
وفي الختام أكد أنه أقام مجموعة من المعارض في إيطاليا، وكان الطابع المصري هو الغالب عليها، وأضاف: «هذه من السمات الأساسية في أعمالي، والتي تنطوي في رأيي على جانب من الأصالة، لذلك تحظى بإعجاب وتقدير وتفاعل من المتلقي في الخارج».
Open Questions
- هل سيتم عرض فيلم إدغار بيرا في صالات السينما العربية؟
- ما هي الخطوة الفنية القادمة للفنان جمال مليكة؟







