"أخشى تناول السمك بسبب الإيدز".. تصريحات وزيرة عراقية تثير الجدل فماذا يقول الخبراء؟
تصريحات وزيرة البيئة العراقية سروة عبد الواحد بشأن المخلفات الطبية في نهر دجلة تثير مخاوف واسعة وردود فعل متباينة بين نفي حكومي وتقارير رصد بيئي.
Quick Look
أثارت وزيرة البيئة العراقية سروة عبد الواحد جدلاً بتصريحاتها حول تلوث نهر دجلة بالمخلفات الطبية ومرض الإيدز، وسط نفي رسمي من وزارتي الصحة والبيئة، وتحذيرات من مرصد العراق الأخضر بشأن 500 مصدر تلوث.
AI-generated summary
Why It Matters
أثارت تصريحات وزيرة البيئة العراقية حول المخلفات الطبية في نهر دجلة ومرض الإيدز جدلاً واسعاً ونفت وزارتا البيئة والصحة صحة نقل المرض عبر الأسماك.
أثارت وزيرة البيئة العراقية، سروة عبد الواحد، جدلا خلال لقاء متلفز، بعدما تحدثت عن تلوث مياه دجلة ، وقالت يوم الخميس (8 تشرين الأول/أكتوبر 2026): "بعد ما تسلمت منصبي في الوزارة، بدأت بالتردد في شراء الأسماك وتناولها، بسبب المخلفات الطبية غير المعالجة التي تُلقى في نهر دجلة، والتي تحمل مرض الإيدز ".
أثارت هذه التصريحات مخاوف المستهلكين، خاصة أن السمك وجبة رئيسية ومهمة لا تغيب عن مائدة العراقيين. لكن هل توجد فعلاً مصادر تدل على رمي النفايات الطبية غير المعالجة في نهر دجلة؟ وإن ثبت وجودها، فما مدى تأثيرها على صحة الإنسان من جانب، وكيف يمكن أن تؤثر على حركة البيع والشراء لدى الصيادين في العراق من جانب آخر؟
وزارة تنفي وأخرى توضح
بعد التصريح الذي اجتاح مواقع التواصل وأثار موجة من الخوف والاستياء، أوضحت وزارة البيئة العراقية ، من خلال بيان لها عبر الوكالة الوطنية العراقية للأنباء (نينا)، أن تحذير الوزيرة بشأن تصريف المخلفات الطبية جاء في إطار التنبيه إلى التداعيات البيئية والصحية الخطيرة لهذه الممارسات. وأضافت أن بعض التغطيات الإعلامية تناولت تصريح الوزيرة بصورة غير دقيقة، خاصة فيما يتعلق بإمكانية نقل فيروس نقص المناعة البشرية، المسبب لمرض الإيدز، عبر تناول الأسماك.
بدورها، نفت وزارة الصحة العراقية ، في بيان رسمي لها، طرح المخلفات الطبية في مياه الأنهار دون معالجة. وقال المتحدث الرسمي للوزارة، سيف بدر، في بيان نشرته وكالة (نينا)، إن وحدات معالجة المياه الثقيلة التابعة للمؤسسات الصحية تعمل على معالجة المخلفات السائلة والصلبة وفق آليات علمية معتمدة. وأضاف أن مياه الصرف الصحي تمر عبر شبكة المجاري الرئيسية باتجاه محطات معالجة مياه الصرف الصحي في بغداد والمحافظات. لكن الوزارة تؤكد وجود محطة معالجة مياه أخرى في بغداد لا تتبع لها، بل تخضع لإشراف أمانة بغداد.
500 مصدر للتلوث على امتداد دجلة
يُعد نهر دجلة من أهم الأنهار في قارة آسيا والشرق الأوسط، وهو يشكل الشريان الأساسي الذي قامت عليه أقدم الحضارات البشرية وأعرقها، مثل الحضارة السومرية والآشورية والبابلية.
لكن نهر دجلة له تاريخ طويل ومظلم مع التلوث، يمتد لعقود. ففي عام 1979، وثّقت أبحاث نُشرت في مجلة "Water Research" تلوث أجزاء من النهر نتيجة تصريف مياه الصرف الصحي الخام. وحتى بعد سقوط النظام السابق، كشفت مصادر متعددة عن التلوث، ومنها مياه الصرف المنزلية، إلى جانب المخلفات الصناعية والمؤسسية التي تؤثر على نوعية المياه.
وفي دراسة عن المعادن الثقيلة الموجودة في أسماك دجلة، نُشرت في مجلة "Fishes" العلمية، حلّل الباحثون 20 سمكة جُمعت من مناطق مختلفة في بغداد، ورصدوا ارتفاعات في تركيزات بعض المعادن الثقيلة، مثل الكادميوم والكروم. لكن حجم العينة لا يمثل النهر بأكمله، ولا يثبت وجود تلوث طبي في الأسماك حالياً، بحسب ما ورد في الدراسة.
مرصد العراق الأخضر، مرصد متخصص بالقضايا البيئية والتغير المناخي في العراق، تحدث حسام الصبحي، العضو في المرصد، عن المنهجية المتبعة في رصد التلوث في مياه دجلة. فقال لـDW "بسبب محدودية البيانات البيئية المتاحة في العراق، يعتمد المرصد على الرصد الميداني والبيانات التي يجمعها الباحثون لتحديد المواقع المشتبه في تعرضها للتلوث."
ويضيف حسام أن المرصد رصد عدداً من المواقع في بغداد، مع دراسة المناطق المحيطة بها، بما يشمل المنازل القريبة من الأنهار ومجاري المياه والمطاعم وحتى المحلات التجارية. ويجرى الرصد بمساعدة صور الأقمار الصناعية ، بالتعاون مع وكالات ومؤسسات مختصة في توفير الصور والبيانات.
وفي دراسة نشرها المرصد في شهر آب/ أغسطس 2026، كشف عن 500 مصدر للتلوث على نهر دجلة، تُفرّغ مخلفاتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مجرى النهر، وتتمثل هذه المخلفات في مياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية للمستشفيات دون معالجة.
لكن هذا لا يعني انتقال فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" عبر الطعام أو الماء، كما توضح منظمة الصحة العالمية . وهذا لا ينفي أيضاً مخاطر المخلفات الطبية على البيئة ومياه الأنهار.
المحاسبة والمراقبة
يشير حسام الصبحي إلى أن مرصد العراق الأخضر تربطه علاقة وثيقة بوزارة البيئة، وأن هناك محادثات مستمرة بشأن الوضع البيئي لنهر دجلة. ويضيف أنهم اقترحوا عدة حلول على الوزارة، التي تعمل على تنفيذها.
ويتابع: "المشكلة عميقة الجذور، ومعالجتها تتطلب تعاوناً مستمراً وطويل الأمد بين الوزارات المعنية والمجتمع". ويؤكد أن القضية لا تُحل بين ليلة وضحاه، خاصة أن بعض المصانع ومصادر التلوث لا تستجيب لإجراءات وزارة البيئة ولا تلتزم بتوجيهاتها. لذلك، يدعو الصبحي إلى تنفيذ جولات ميدانية من قبل وزارة البيئة، بالتعاون مع وزارة الداخلية، لضمان تطبيق القانون.
من جانب آخر، يرى الخبير الدكتور محمود باسل العامري، المختص بتلوث المياه والهواء من جامعة بغداد ، في حوار مع DW عربية "أن التحقق من مخاطر تلوث نهر دجلة يتطلب إجراء فحوص مخبرية لتحديد طبيعة الملوثات وتركيزاتها. ويشير إلى أن مصادر التلوث لا تقتصر على المخلفات الطبية غير المعالجة، بل تشمل أيضاً مياه الصرف الصحي وغيرها من الملوثات".
وللتحقق من طبيعة التلوث، ينصح الدكتور العامري بالاستفادة من الدراسات الأكاديمية العراقية وتعزيز الرقابة الميدانية. ويرى الدكتور العامري "أن استخدام أنابيب صرف صحي متطورة هو الحل الأنسب لمعالجة هذه المشكلة".
تأثيرات التلوث على الصحة
يحتوي نهر دجلة على ملوثات عضوية وصفها مرصد العراق الأخضر بأنها "خطرة جد". وذكر المرصد في بيان له عدداً من الملوثات، مثل مركبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور، والمركبات العضوية المتطايرة، والفثالات، التي قد تسبب أضراراً صحية تشمل اضطرابات الغدد الصماء والسرطان وتلف الكبد والكلى.
الهرب من المشكلة الأساسية
تصريحات وزيرة البيئة أثارت جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد ذكرها فيروس "الإيدز", إذ ردّ المستخدمون بأن فيروس نقص المناعة البشرية لا ينتقل عن طريق تناول الأسماك. وذكر النشطاء أن اختزال أزمة تلوث مياه دجلة في الخوف من فيروس، وعدم التركيز على المشكلة الأساسية، مثل مياه الصرف الصحي غير المعالجة والمخلفات الصناعية، قد يكون بهدف التشتيت.
وبالنسبة إلى هناء من بغداد، فإن "العراقيين لا تؤثر فيهم هذه التصريحات، فمنذ سنين طويلة تُرمى المخلفات في النهر، والترسبات المعدنية والأوساخ موجودة منذ زمن صدام". وتصف نور تصريحات الوزيرة بأنها "غير واقعية"، وتقول بنوع من التهكم على سوء الأوضاع "إن الشعب العراقي اعتاد الأمراض، وأصبح "خبيراً" بالأمراض و التلوث" . وتضيف: "نحن متعايشون ومتكيفون مع الوضع". وفي رأي مشابه، تقول نوار: "الشعب العراقي لا يفكر ولا يهتم"، واصفةً بأن تكرار الأزمات في العراق جعل العراقيين لا يبالون بشيء." فيما تلقي وفاء باللوم والمسؤولية على الحكومة، التي ترى أنها المسؤولة عن فرض القوانين والعقوبات الصارمة على كل مصدر يلوث مياه دجلة.
وامتد الجدل ليطال قطاع إنتاج الأسماك أيضاً. إذ أثار مخاوف الصيادين والعاملين في قطاع الصيد، الذي يعاني أصلا من مشاكل بسبب انخفاض منسوب المياه والتلوث. لكن على الجانب الآخر، تقول هناء إن التصريحات والتلوث لا يؤثران في رغبتها ورغبة عائلتها في تناول السمك العراقي، وتضيف: "إلى الآن، ما زالت طوابير الانتظار أمام محلات ومطاعم الأسماك طويلة".
Open Questions
- ما هي الإجراءات الفعلية ضد المصادر الـ 500 للتلوث؟
- كيف ستتعامل وزارة البيئة مع تقارير مرصد العراق الأخضر؟






