الذكرى الثانية لانفجارات أجهزة البيجر في لبنان: قصص صمود المصابين
دراسة طبية حديثة تسلط الضوء على إصابات العين غير المسبوقة بين المدنيين والنساء والأطفال جراء تفجيرات البيجر في لبنان
Quick Look
تزامناً مع الذكرى الثانية لانفجارات أجهزة البيجر في لبنان، تكشف دراسة طبية عن إصابات ب بالغ بين المدنيين والنساء والأطفال، وتستعرض تقارير إنسانية قصص ناجين واجهوا فقدان الإبصار وإصابات مركبة بإصرار وعزيمة.
AI-generated summary
Why It Matters
أقرت إسرائيل لاحقاً بمسؤوليتها عن هجوم تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان والتي استهدفت مقاتلي حزب الله وأسفرت عن قتلى ومصابين مدنيين.
"أبسط حقوق الإنسان أن يعيش بسلام داخل بيته، وأنا كنت في منزلي، أعيش بأمان وسلام، إلى أن قررت إسرائيل بضغطة زر واحدة سلب هذا الأمان"، هكذا استعادت الشابة اللبنانية سارة جفال شعورها في اليوم الذي لم ينته منذ عامين بل امتد ليرسم ملامح حياتها ومستقبلها إلى الأبد.
تأتي الذكرى الثانية لانفجارات أجهزة "البيجر" في لبنان لتفتح ملفاً طبياً وإنسانياً غير مسبوق.
بحسب دراسة حديثة أعدها فريق طبي في الجامعة الأمريكية في بيروت ونشرتها "المجلة البريطانية لطب العيون"، فإن استهداف هذه الأجهزة أحدث دماراً بالغاً بين غير المشاركين في القتال، لا سيما النساء والأطفال.
أثبتت الدراسة أن إصابات العين كانت الأكثر شيوعاً وشدة؛ إذ أدى رفع الجهاز والنظر السريع نحو شاشته عند سماع التنبيه القوي إلى وضع العينين والوجه في المواجهة المباشرة للشظايا والضغط الانفجاري.
هذا الفعل التلقائي تسبب في نسب قياسية غير مسبوقة من التهتك الكامل للعين وفقدان الإبصار الدائم، مكرساً نقطة تحول فارقة في تاريخ إصابات العيون الناجمة عن الانفجارات.
منذ ذلك الحين، تلاحق سارة الشكوك حول أي أداة تكنولوجية أو تقنية ذكاء اصطناعي قد تدخل منزلها خشية أن تكون متفجرة، وبعدما فقدت إحدى عينيها وجزء من أطراف يدها تصر سارة بعد عامين على المضي قدماً لإكمال دراسة الماجستير وتحقيق طموحاتها، مشددة على أن التجربة علمتها استشعار أصغر النعم اليومية التي يعيشها الإنسان كنعمة الأمان والنظر.
ومضت قائلة في تصريحات لبرنامج "يوميات الشرق الأوسط" المذاع عبر بي بي سي: "نحن شو خصنا؟ كيف عملية عسكرية إذا المصابين أكثرهم من الأطفال والنساء؟ شو نحن شو؟ نحن مدنيين".
تتذكر سارة كيف ألقت الإصابة بظلالها على دراستها الجامعية التي تعتمد كلياً على النظر والكمبيوتر، وكيف خشيت ألا تعود لرؤية عائلتها أو مواصلة تعليمها.
لكنها حين استعادت الرؤية بعين واحدة، اعتبرت ذلك نعمة كبرى وتعهدت لنفسها بألا يسلبها الحادث ما قالت إنه أهم مما فقدته بالفعل، وهو "إرادتها".
وقالت: "العدو كان هدفه يكسرنا، هدفه يعزلنا، هدفه يمحونا، رغم إنه راحوا عيوني وراحوا أطراف يداي، قررت إني أقوم وأتعالج وأكمل لتحقيق أحلامي".
بيان طه، أم من جنوب لبنان، وضعت أصغر أبنائها قبل شهر ونصف من تعرضها لتفجير جهاز البيجر الخاص بزوجها، تروي تفاصيل ذلك اليوم الذي لا ينمحي من ذاكرتها حين بدأ جهاز البيجر يرن بشكل غير عادي وبشدة غير مألوفة، خلافاً لرناته الخفيفة المعتادة.
كان الجميع يتواجدون في محيط غرفة واحدة، ودون أدنى فضول لمعرفة السبب، بل بدافع الفزعة والتساؤل البسيط عن هذا الصوت المرتفع، حملت الجهاز بيديها واقتربت لتسأل زوجها عن سبب الرنة الغريبة: "شو بها جنّت؟".. وفي تلك اللحظة بالذات، وقع الانفجار.
في السكون الذي تلا التفجير، انطفأت عين بيان فوراً، واستحالت رؤيتها إلى ظلام لا يقطعه إلا مشهد الدماء الملطخة لكتف ابنها محمد.
ساد الذعر في رأسها وتسائلت: "شو صار؟ وولادي.. وين ولادي؟! هدا الدم دم محمد؟!".
رغم الإصابة البالغة والنزيف، لم تفقد بيان وعيها؛ بل ظلت مستيقظة بالكامل، وحين نُقلت في السيارة كانت تمد يدها -التي لم يتبقَ منها سوى أصبع ونصف- من شباك السيارة لتفتح الطريق في زحمة الذهول.
على مدار ثلاثة أيام في المستشفى، ركز الأطباء على إيقاف النزيف قبل التعامل المباشر مع عينيها.
عاشت بيان أياماً عصيبة تحت وطأة الخوف من ظلام تام، متمسكة بأمل رؤية أهلها من جديد: "جيبوا لي أهلي شوفهم قبل ما تطفي العين الثانية.. كان عندي هالإحساس إنه ممكن العين الثانية تطفي لأنه كان عم ينزل عليها دم".
وبعدما تأكد انطفاء عينها الأولى، عانت بيان من أزمة نفسية وتعب شديدين، لكنها تجاوزت المرارة بالحمد والشكر على البصيص المتبقي، تقول عن هذا البصيص: "الحمد لله ضل عندي أمل إنه بعد عندي عين واحدة قادرة شوف أولادي فيها".
واليوم، تواصل بيان ممارسة أمومتها كاملة، تجدل شعر ابنتها بالإصبع والنصف المتبقيان في كف يدها، فتسعد صغيرتها بهذا الاهتمام وتقول لصديقاتها بزهو وفخر ودلال: "الماما بتعمل لي كل شي.. الماما قادرة تهتم بكل تفاصيلي".
لم تكن الأجساد الغضة للأطفال بعيدة عن هذه التكنولوجيا القاتلة؛ إذ وثّقت الدراسة الطبية تسجيل إصابات عيون بالغة بين أطفال تبدأ أعمارهم من خمس سنوات، كانوا موجودين قرب الأجهزة وقت الانفجار.
أوضحت البيانات أن صِغر الفئة العمرية أدى إلى ما يُعرف بـ "متلازمة الإصابة الثلاثية المركبة" (العين، الوجه، واليدين معاً)، نظراً لقرب مسافة جسد الطفل من الجهاز، ما خلّف تشوهات بالغة وتحديات تأهيلية طويلة الأمد.
من بين هؤلاء الأطفال، برزت قصة علي عباس، الذي أتم عامه الرابع عشر بالتزامن مع ذكرى الانفجار. لم يعلم علي بضياع عينه وإصابتها الفادحة إلا بعد مرور نحو ثمانية أيام قضاها في المستشفى.
علي، الذي كان حبه الأول والأكبر تلاوة القرآن الكريم، وجد نفسه فجأة غير قادر على القراءة كسابق عهده بسبب ضعف النظر الشديد.
ومع ذلك، تمكن من العودة إلى مدرسته متكلاً على حاسة السمع كبديل رئيسي عن النظر. ورغم أن رؤية أي جهاز يشبه البيجر تعيد إلى ذهنه تفاصيل يوم إصابته، إلا أنه لم يطور خوفاً مرضياً من الهواتف أو الأجهزة الإلكترونية بل يقبل على استخدامها قدر المستطاع، بحسب ما يقول.
يتطلع علي اليوم إلى المستقبل بعين الإصرار؛ فلكونه يعجز عن القراءة ويعتمد على الحفظ والسمع، اختار أن يوجه طاقته نحو دراسة الطب النفسي.
وقال: "حسيت هالشغلة بتشبهني وبقدر فيد فيها المجتمع.. إني إسمع مشاكل الناس وهمومها ونتساعد على حلها".
وهكذا، بينما يمارس علي حياته بين رفاقه الذين يلعب معهم كرة القدم، يظل طموحه الأساسي مواصلة التعلم والنجاح.
من الناحية الطبية، يوضح الدكتور علي شكر، استشاري زراعة القرنية وتجميل العين، أن خطورة انفجارات البيجر لم تكن في عدد المصابين فحسب، بل في طبيعة ونوعية الإصابة ذاتها، فقرب الجهاز المباشر من مستوى الوجه واليدين وجه طاقة الانفجار والشظايا نحو أجزاء فائقة الحساسية.
ويشير الدكتور شكر إلى أن أصعب ما يواجه جراح العيون في هذه الحالات هو التعامل مع مرضى من الشباب، حيث يصبح الرهان الطبي معلقاً على الساعات الأولى: "هل يمكن إنقاذ العين؟ هل يمكن إنقاذ أي قدر ممكن من الرؤية؟".
يؤكد الدكتور شكر أن المعالجة الجراحية مثلت تحدياً غير مسبوق في هذا الحادث؛ فالأطباء لم يواجهوا جرحاً أحادياً، بل كانوا أمام إصابات مركبة تشمل شظايا، وجروحاً عميقة في القرنية وبياض العين، وتلفاً في الجفون والوجه، فضلاً عن كونها إصابات ثنائية الجانب في حالات كثيرة.
وكانت إسرائيل قد أقرت لاحقاً بمسؤوليتها عن الهجوم، مؤكدةً أنها كانت تستهدف "مقاتلي حزب الله"، غير أن حصيلة قتلى انفجارات البيجر وصلت 12 شخصاً، بينهم طفلان، وأصيب قرابة 3,000 شخص، وفقاً لبيانات رسمية في لبنان ومصادر عن منظمة الصحة العالمية.
Open Questions
- ما هي الإجراءات القانونية الدولية المتبعة بشأن الهجوم؟
- كيف تطورت الخدمات الطبية لتعويض ضحايا الإصابات المركبة؟







