بغداد ودمشق.. من الحذر إلى الشراكة: ماذا يريد الشرع والزيدي من التقارب الجديد؟
أول زيارة لرئيس حكومة عراقي إلى سوريا منذ التغيير السياسي أواخر 2024، تهدف لتعزيز التعاون الاقتصادي والأمني
Quick Look
أجرى رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي زيارة رسمية إلى دمشق التقى فيها الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة تهدف لإعادة رسم العلاقات الثنائية وتفعيل مشاريع اقتصادية استراتيجية، أبرزها إعادة إحياء خط أنابيب النفط كركوك-بانياس.
AI-generated summary
Why It Matters
شهدت سوريا تغييراً سياسياً أواخر عام 2024 بعد سقوط نظام بشار الأسد. يسعى العراق حالياً لإيجاد منافذ تصدير بديلة للنفط في ظل اضطرابات الملاحة الإقليمية.
زيارة لرئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق التقى فيها الرئيس السوري أحمد الشرع. لتشكل محطة سياسية لافتة في مسار العلاقات بين البلدين، بوصفها أول زيارة لرئيس حكومة عراقي إلى سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد والتغيير السياسي الذي شهدته البلاد أواخر عام 2024. وتحمل الزيارة الكثير من الأبعاد وتثير في الوقت نفسه أسئلة عن مصلحة كل بلد وحاجته للبلد الآخر في مشهد إقليمي شديد التعقيد.
وقد برزت في الزيارة لفتات رمزية ولكنها تعطي إشارات هامة نحو المستقبل، بدءا من استقبال الشرع في مطار دمشق للزيدي، ثم زيارة الزيدي للمسجد الأموي ومقام السيدة زينب في دمشق وتبرعه من ماله الخاص بخمسة ملايين دولار لكل من المكانين الدينيين الهامين.
وتأتي زيارة دمشق ضمن جولة إقليمية أوسع للزيدي لإعادة تموضع العراق في محيطه العربي والإقليمي. حيث بدأ بزيارة الرياض في 14 أكتوبر/تشرين الأول، وهي الأولى له إلى السعودية منذ توليه رئاسة الحكومة، قبل أن ينتقل إلى عمّان. تحركات تأتي في وقت تتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية على الساحتين العراقية والسورية، حيث تنظر كل من الولايات المتحدة وإيران وتركيا إلى العلاقة بين بغداد ودمشق باعتبارها جزءاً من توازنات أوسع في المنطقة.
ويطرح هذا الحراك الدبلوماسي المتزامن أسئلة مهمة حول الدور الذي يمكن أن تلعبه العلاقات العراقية السورية في المرحلة المقبلة، ومدى قدرة بغداد على الموازنة بين مصالح القوى الإقليمية والدولية المتنافسة في البلدين، وتحويل هذا التقارب إلى شراكة مستقرة تخدم مصالحها الاستراتيجية.
لماذا يحدث التقارب الآن؟
بعد سنوات من الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد، واشتراك فصائل عراقية موالية لإيران في هذا الدعم، كان من الصعب أن تكون علاقات سوريا والعراق بصورة جيدة وبشكل فوري. ولهذا شهدت الأشهر الماضية تعاملا حذرا من الجانب العراقي مع السلطة السورية الجديدة، بسبب تعقيدات المشهد الداخلي العراقي وحساسية العلاقة مع دمشق بعد سقوط نظام الأسد وتولي هيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع، وحلفاء لها السلطة في سوريا.
تبادل البلدان زيارات على مستوى الوزراء وكذلك على الصعيد الاستخباراتي لضبط وتنسيق الجهود الأمنية، بحكم تشارك البلدين حدودا تمتد على طول أكثر من 600 كيلومتر. وبالتالي هناك أخطار مشتركة من خلايا تابعة لتنظيم داعش وشبكات التهريب والجريمة المنظمة. ولهذا كان التنسيق الاستخباري والأمني أولوية مشتركة.
ولكن زخم العلاقات تعزز بفعل تبعات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران. حيث وجد العراق نفسه بدون منفذ بحري لتصدير كميات النفط الهائلة، فيما تعاني سوريا من ضغوط اقتصادية متراكمة بعد سنوات من الدمار.
ما الذي يريده العراق؟
المصالح العراقية الاقتصادية في سوريا كبيرة جدا، وعلى رأسها ملف النفط. ويقول الباحث السياسي العراقي عباس عبود إن المصالح الاقتصادية وتبادل المنافع بين البلدين يمكن أن يشكلا جسراً لتجاوز هوة الخلافات التي تراكمت على مدى عقود.
فإذا عرفنا أن العراق - قبل اندلاع الحرب الأخيرة المرتبطة بإيران وإغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز – كان ينتج من 4 إلى 4.5 ملايين برميل من النفط يوميا، يصدر نحو 3.4 إلى 3.7 ملايين برميل منها. ومعظم التصدير كان يخرج عبر الموانئ الجنوبية المطلة على الخليج. ولا يمكن للعراق أن يبقى بلا حراك أمام هذا النزيف في العملة الصعبة التي من المفترض أن تأتيه عبر تصدير النفط.
ولهذا يناقش العراق مع سوريا مسألة إعادة إحياء مشروع تصدير النفط العراقي عبر ميناء بانياس السوري على البحر المتوسط من خلال خط الأنابيب التاريخي "حديثة - بانياس" أو "كركوك - بانياس".
وله بغداد مصالح أخرى مع دمشق، من بينها تعزيز أمن الحدود المشتركة، ومعالجة ملفات المعتقلين والعناصر المرتبطة بتنظيم داعش، وملف تدفق المياه عبر نهر الفرات، وإحياء التبادل التجاري والاستفادة من الأسواق السورية.
ماذا تريد سوريا؟
في المقابل، تجد دمشق نفسها في وضع اقتصادي صعب وأعباء متراكمة. ولهذا فإن العراق يمثل شريكا اقتصاديا بالغ الأهمية، فالعراق يعتبر أحد أكبر الاقتصادات العربية ويمتلك كذلك سوقا داخلية ضخمة. ثم إن الربط البري بين سوريا ودول الخليج يتطلب المرور، إلى جانب الأردن، عبر العراق أيضا.
وتركز الحكومة السورية على رفع حجم التبادل التجاري وجذب الاستثمارات العراقية، والاستفادة من الموقع الجغرافي السوري ليكون منصة عبور للطاقة والبضائع.
مسألة الحدود المشتركة تعتبر أولوية أيضا بالنسبة لدمشق والتعاون مع بغداد ضروري في هذا المجال.
المشاريع المنتظرة بين البلدين
حمل لقاء الشرع والزيدي العديد من الإشارات عن التعاون المستقبلي المشترك بين الجانبين. وقد ورد في بيان صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي أن النفط والتجارة والزراعة وتعزيز التعاون الأمني كانت في صلب المحادثات. كما قال البيان إن "الشعبين العراقي والسوري هما شعب واحد في بلدين".
الجانب السوري أصدر أيضا بيانا، ذكر فيه أن الجانبين بصدد "التحضير لمؤتمر اقتصادي مشترك"، كما تحدث البيان عن موضوع الطرق البرية التي تمر عبر التنف لتربط العراق بتركيا والسعودية وميناء الفاو.
وهكذا تبرز عدة مشاريع مشتركة يسعى الجانبان لتنفيذها:
1. خط النفط إلى بانياس
لعله المشروع الأكثر أهمية في المباحثات الحالية. ويهدف إلى نقل النفط العراقي إلى الساحل السوري على البحر المتوسط، بما يوفر للعراق منفذاً تصديرياً جديداً ويمنح سوريا عوائد اقتصادية واستراتيجية كبيرة. وقد ناقش الزيدي والشرع إمكانية تطوير الخط بطاقة تصل إلى مليوني برميل يومياً مستقبلاً.
يبلغ طول الخط التاريخي بين كركوك وبانياس نحو 890 كيلومتراً، ممتداً من حقول كركوك شمال العراق إلى ميناء بانياس. وكان الخط الأصلي ينقل نحو 300 ألف برميل يومياً عند إنشائه في خمسينات القرن الماضي. أما الخط الجديد أو المعاد تأهيله، فتتحدث الدراسات عن قدرة قد تصل إلى مليون برميل يومياً في المرحلة الأولى، مع طموحات ترفعها بعض التصورات إلى مليوني برميل يومياً مستقبلاً.
وإذا شمل المشروع إنشاء مقاطع جديدة بالكامل وتطوير محطات الضخ والتخزين والبنية التحتية المرافقة، فقد تصل تكلفته وفق بعض التقديرات إلى 15 مليار دولار.
بغداد ودمشق وقعتا مذكرات تفاهم وأطلقتا الدراسات الفنية والاقتصادية والمالية للمشروع. وتشارك شركات دولية في إعداد الدراسات الأولية، وقد يحتاج الأمر نحو أربع سنوات من العمل حتى يصبح جاهزاً للتشغيل.
2. زيادة التبادل التجاري
المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي قال إن التعاون الاقتصادي والتجاري سيحظى بأولوية في المباحثات انطلاقاً من حاجة البلدين إلى شراكات اقتصادية وتجارية تحول روابط الجوار إلى مصالح متبادلة وفرص للتنمية والاستثمار.
3. التكامل الزراعي والغذائي
التعاون الزراعي كان في صلب المحادثات بغرض تحقيق درجة أكبر من التكامل الغذائي بين البلدين، في ظل حاجة كل منهما إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية. كما يمكن للبلدين أن ينسقا بشكل أكبر في مجال المياه، ما يحقق مصالحهما، ويمنع حدوث أي فيضانات مفاجئة تؤدي لخسائر كبيرة.
4. التنسيق الأمني والاستخباري
لعل هذا الملف من أصعب الملفات نظرا للحساسية السابقة بين فصائل عراقية موالية لإيران وفصائل سورية كانت في المعارضة التي تقاتل ضد نظام بشار الأسد. وبالتالي فإن التنسيق بين الطرفين يتطلب تواصلا بين "أعداء الأمس".
وقد ذكر البيان السوري الذي صدر بعد الزيارة أن الجانبين بحثا ترتيبات زيارة وفد أمني عراقي إلى سوريا "يضم وزير الدفاع وممثلين عن الجهات الأمنية والمعنية بأمن الحدود والحشد الشعبي".
ولذلك من المنتظر أن تشهد المرحلة المقبلة، تنسيقا في جهود مكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود وملاحقة شبكات التهريب العابرة للحدود.
هل تتفوق البراغماتية على الأيديولوجيا
زيارة الزيدي إلى دمشق، والاستقبال الحار الذي حظي به، والذي كان لافتا بعد حضور الشرع بنفسه إلى مطار دمشق لاستقباله، تشكل دفعة قوية في مسار علاقات أكثر من ضرورية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. ولكن يرى خبراء أنه من المبكر الحديث عن تحالف سياسي بالمعنى التقليدي.
ويشير الدكتور عباس عبود في حديثه إلى أن مستقبل العلاقات بين بغداد ودمشق يتأثر إلى حد كبير بالتطورات السياسية في الولايات المتحدة. فالمبعوث الأميركي توم باراك، الذي يتابع الملفين السوري والعراقي، لا يسعى إلى بناء محور عراقي سوري موحد بقدر ما يركز على تعزيز مركزية الدولة في البلدين وتقليص نفوذ إيران داخل العراق. ويرى عبود أن اتجاه هذه السياسة سيعتمد على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية ومدى قدرة الجمهوريين على الحفاظ على نفوذهم خلال ما تبقى من ولاية الرئيس ترامب.
الجانبان السوري والعراقي يرتبطان أيضا بشراكات مع أطراف أخرى تبدو متناقضة. ولكن يبدو أن قيادتي البلدين اختارت بناء شراكة براغماتية قائمة على المصالح لا الأيديولوجيا.
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
عقد مؤتمر اقتصادي مشترك بين العراق وسوريا
Very likely · Within months
Open Questions
- هل ستنجح بغداد في موازنة الضغوط الأمريكية والإيرانية؟
- ما هي التكلفة النهائية الفعلية لإعادة تأهيل خط النفط؟







