«الجار الجنوبي» المكسيكي عامل مؤثر... سواء بوجود «الجدار» أو غيابه
تحليل لنتائج الانتخابات النصفية وتحول الصوت اللاتيني من معسكر الجمهوريين إلى الديمقراطيين، مع تداعيات على السياسة الداخلية الأميركية والوضع في إسرائيل
Quick Look
أظهرت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية أن الصوت اللاتيني كان العامل الحرج في فوز الديمقراطيين بمجلس النواب، حيث تحول 15% من الأصوات اللاتينية من الجمهوريين إلى الديمقراطيين، وفازت جينا هينوهوسا بحاكمية تكساس وجافيير بيسيرا بحاكمية كاليفورنيا، بينما أظهرت انتخابات إسرائيل خسارة نتنياهو وتراجع أحزابه وصعود العرب إلى 19 مقعداً.
AI-generated summary
Why It Matters
تناول المقال نتائج الانتخابات النصفية الأميركية وتأثير الصوت اللاتيني على نتائجها، خاصة في ولايات تكساس وكاليفورنيا وفلوريدا، كما تناول نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتأثيرها على تشكيل الحكومة القادمة وموقف نتنياهو وأحزابه.
جميع القراءات التحليلية لنتائج هذه الانتخابات النصفية تُظهِر أن الصوت اللاتيني كان هو المرجّح الأساسي، الذي أمال الكفة لصالح الديمقراطيين في معركة السيطرة على مجلس النواب. وتبيّن أيضاً أن هذا الصوت الذي كان يسجّل نسبة عالية من الامتناع في الانتخابات السابقة، أصبح اليوم لاعباً أساسياً في المشهد السياسي الأميركي، إذا حشد كامل طاقاته المتنامية بسرعة. وتقول ماريّا تيريزا كومار، رئيسة المنظمة التي تقوم بتشجيع الجاليات اللاتينية على المشاركة في الحياة السياسية الأميركية: «منذ سنوات ونحن نتوقع أن يأتي يوم يهبّ فيه الصوت اللاتيني، مثل التسونامي، على المشهد السياسي الأميركي... وبوسعنا القول اليوم إن طريق البيت الأبيض أصبحت، اعتباراً من الآن، مرهونة بهذا الصوت».
أيضاً، كانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد توقّعت أن يكون الصوت اللاتيني حاسماً في تحديد نتائج الانتخابات النصفية، وبخاصة لتجديد مقاعد مجلس النواب في ولايات كاليفورنيا وكولورادو وفلوريدا وبنسلفانيا وتكساس، بل ولمقاعد مجلس الشيوخ في بعض الولايات. وهذا ما حصل بالفعل يوم الثلاثاء الماضي، خاصة في ولاية تكساس التي يمكن اعتبارها العنوان الرئيس لهذا التحوّل التاريخي في بوصلة الصوت اللاتيني.
جدير بالذكر أنه مطالع الشهر الماضي استقبل الرئيس دونالد ترمب وفداً من زعماء الجاليات اللاتينية في البيت الأبيض. وطلب الرئيس منهم في ذلك اللقاء حشد الصوت اللاتيني لتأييد مرشحي الحزب الجمهوري، «كما لو كان اسمه هو الموجود على قسائم الاقتراع».
لكن النتائج التي أفرزتها انتخابات الثلاثاء الماضي أكّدت التوقعات التي كانت تشير إلى تغيير جذري في مزاج الناخب اللاتيني الذي - بغضّ النظر عن تردّي الوضع المعيشي منذ أشهر - أخذ يستشعر في سياسة الإدارة الأميركية نوعاً من الاستفزاز العنصري الموجّه تحديداً ضده. وذلك بدءاً بحملة الاعتقالات والطرد التي كانت تستهدف المهاجرين من بلدان أميركا اللاتينية، إلى العملية العسكرية التي انتهت باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته ووضع اليد على ثروة البلاد النفطية، مروراً بالتصريحات العدائية المتكررة على لسان الرئيس الأميركي.
بل، ويضاف إلى ذلك، واقع أن طرد أعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين – ومعظم هؤلاء عمال موسميون من دول أميركا اللاتينية – ألحق أضراراً فادحة بالوضع الاقتصادي في قطاعات أساسية، مثل الزراعة والبناء. وعادة تكثر في مثل هذه القطاعات اليد العاملة المهاجرة المتحدرة من أصول لاتينية. وتفيد البيانات الأولى بأن نسبة الأصوات اللاتينية التي انتقلت من المعسكر الجمهوري إلى مرشحي الحزب الديمقراطي في هذه الانتخابات بلغت 15 في المائة.
في جملة القول، واستناداً إلى نتائج الولايات المحسوبة تقليدياً للجمهوريين وانتقلت الآن إلى الديمقراطيين، كان الصوت اللاتيني رفضاً واضحاً لسياسة دونالد ترمب، كما حصل في ولاية تكساس، التي يشكّل العنصر اللاتيني 40 في المائة من سكانها، والتي ينتمي إليها السيناتور الجمهوري النافذ تيد كروز.
في تكساس سجّل الديمقراطيون فوزاً مزدوجاً بالغ الأهمية، تمثل الأول بوصول أول سيدة أميركية لاتينية لمنصب حاكمية الولاية، هي جينا هينوهوسا التي كانت لأشهر خلت سيدة مغمورة، لكنها ستصبح أقوى امرأة في الولايات المتحدة اعتباراً من مطلع العام المقبل، عندما تتولى منصبها كحاكمة لثاني أكبر ولاية في البلاد.
أما الفوز «اللاتيني» الثاني الذي شهدته تكساس، فجاء من إحدى المعارك الأساسية لعضوية مجلس الشيوخ... إذ حقق الديمقراطي الشاب جيمس تالاريكو فوزاً ساحقاً على منافسه الجمهوري كين باكستون المعروف بولائه الشديد للرئيس ترمب.
وللعلم، كان تالاريكو بنى حملته الانتخابية على حزمة من الوعود الاقتصادية، مثل ضمان الوصول إلى تأمينات صحية في متناول الطبقة المتوسطة، وحلول لخفض تكلفة المعيشة، كما وعد بدعم مشروع لتعديل قانون الهجرة، وتسهيل تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين الذين يقيمون ويعملون منذ سنوات في الولايات المتحدة.
وكان لافتاً ما قام به آلاف الناخبين في مدينة هيوستن، كبرى مدن تكساس، يوم الثلاثاء الماضي عندما كانوا يتوجهون، بعد الإدلاء بأصواتهم في مراكز الاقتراع، إلى ضريح المهاجر المكسيكي لورنزو سالغادو آراوخو الذي قضى برصاص أحد أفراد القوات المكلفة بضبط المهاجرين غير الشرعيين وطردهم. وهناك عند الضريح كان هؤلاء يتركون عليه ورقة كُتب عليها: «لقد أدليتُ بصوتي».
في كاليفورنيا، كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان، وصل المرشح «اللاتيني» خافيير بيسيرا إلى حاكمية الولاية. وتؤكّد التحليلات الأولى للنتائج النهائية أن أصوات اللاتينيين، الذين يُطلق عليهم في الولايات المتحدة «هسبانيكيون» Hispanos، كانت الكتلة الديموغرافية التي شهدت أكبر تحول في وجهة اقتراعها خلال هذه الانتخابات. وكانت نسبة الأصوات الإضافية التي أعطتها الكتلة اللاتينية للديمقراطيين 24 في المائة أكثر من تلك التي أعطتهم إياها في انتخابات عام 2024. كذلك بلغت نسبة الصوت اللاتيني الذي أيّد المرشحين الديمقراطيين لمجلس النواب هذه المرة 69 في المائة، مقابل 30 في المائة للجمهوريين، علماً بأن التحوّل الذي شهده الصوت اللاتيني قبل سنتين كان حاسماً في إعادة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.
في سياق متصل، منذ بداية حملة الانتخابات النصفية، بدا واضحاً أن الكتلة اللاتينية هي التي استقطبت الجهد الأكبر من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لاستمالتها، وذلك لكونها تسجّل عادة أعلى نسبة من الممتنعين عن التصويت، وكونها الأسرع نمواً بين الكتل الديموغرافية الأخرى.
والحقيقة، أن بعض المرشحين الجمهوريين استشعر مدى الاستياء السائد في الأوساط اللاتينية من سياسة الإدارة الجمهورية الحالية، وبخاصة في موضوع الهجرة، فعمدوا إلى النأي بأنفسهم عن هذه السياسة.
هذا ما فعلته ماريا إلفيرا سالازار، المرشحة لعضوية مجلس النواب عن الحزب الجمهوري في ولاية فلوريدا، عندما بادرت قبل أسابيع من موعد الانتخابات النصفية إلى انتقاد سياسة ترمب، وأعلنت دعمها لتسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون منذ سنوات في فلوريدا، من غير موافقة الكونغرس على منحهم الإقامة الدائمة... وكان لهذا الموقف تأثير كبير في فوزها.
مع هذا، يركّز بعض المحللين على القول إن غالبية الناخبين اللاتينيين يفتقرون إلى هوية حزبية راسخة، وإن هذا ما دفعهم إلى منح الديمقراطيين تأييداً واسعاً في الانتخابات الأخيرة بالأمس، بعدما كان لهم دور أساسي قبل سنتين في فوز ترمب، وبالتالي عودته إلى البيت الأبيض. وهنا يشير هؤلاء إلى أن لهذه الظاهرة استثناءاتها، مثل مهاجري «الشتات الكوبي» الملتزم يميناً والمناصر دائماً للجمهوريين. ولعل من أبرز وجوه «الشتات الكوبي» المعروفة في ولاية فلوريدا وزير الخارجية الأميركي الحالي ماركو روبيو، العضو السابق عن فلوريدا في مجلس الشيوخ، وأحد أبرز وجوه اليمين اللاتيني.
ختاماً، في عام 2024 حصل دونالد ترمب على تأييد غير مسبوق من الجالية اللاتينية كاد يعادل الدعم الذي نالته كامالا هاريس، وتحقّق ذلك بفضل التعبئة القوية التي قامت بها الجالية اللاتينية في فلوريدا، بجانب أصوات الناقمين على الحزب الديمقراطي لأسباب متنوعة. ولكن، كما سبقت الإشارة، في الانتخابات النصفية الأخيرة انتقل القسم الأكبر من تلك المكاسب إلى المعسكر الديمقراطي بسبب الاستياء العميق من سياسة الإدارة الحالية. ولقد رصدت الاستطلاعات نسبة عالية جداً من الاستياء في الأوساط اللاتينية مقارنة بالمتوسط الوطني، بلغت 68 في المائة عشية الانتخابات. وتفيد البيانات بأن 60 في المائة من الناخبين اللاتينيين في الانتخابات النصفية اختاروا مرشحاً ديمقراطياً لمجلس النواب، أي تماماً عكس ما حصل في انتخابات عام 2024.
عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.
الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).
وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.
في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.
وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.
في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.
أيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.
من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).
وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة». وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي: أولاً: فشل الاستطلاعات. ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص. ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك. رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
سيستمر الصوت اللاتيني في لعب دور حاسم في الانتخابات الأميركية القادمة، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية
Likely · Within months
سيسعى آيزنكوت لتشكيل حكومة في إسرائيل بدعم من القائمة العربية الموحدة أو جزء منها
Possible · Within weeks
سيواجه نتنياهو صعوبة في تشكيل حكومة يمينية خالصة بعد خسارة خُمس قوة معسكره
Very likely · Within weeks
Open Questions
- هل سيتمكن آيزنكوت من تشكيل حكومة في إسرائيل بدعم من القائمة العربية الموحدة؟
- كيف ستؤثر خسارة نتنياهو على السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والمنطقة؟
- هل سيستمر تحول الصوت اللاتيني نحو الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية القادمة؟
- ما هي التداعيات الاقتصادية لطرد المهاجرين الموسميين على قطاعات الزراعة والبناء في الولايات المتحدة؟






