توقف موجة بيع سندات اليورو مع انخفاض أسعار الطاقة ومخاوف التضخم
تراجع عوائد السندات الحكومية لمنطقة اليورو بعد 6 أيام متتالية من التراجع وسط انخفاض أسعار النفط والغاز
Quick Look
توقفت موجة بيع سندات حكومات منطقة اليورو بعد 6 أيام من التراجع، مع انخفاض أسعار النفط والغاز القياسية، مما خفف مخاوف التضخم وأبعد العوائد عن مستوياتها القياسية.
AI-generated summary
Why It Matters
ارتفعت عوائد السندات العالمية مؤخراً بسبب مخاوف التضخم وتكاليف الطاقة واحتياجات الاقتراض.
توقفت موجة بيع سندات حكومات منطقة اليورو، يوم الخميس، بعد 6 أيام متتالية من التراجع، مما سيدفع العائدات إلى الابتعاد عن أعلى مستوياتها في سنوات عدة، مع انخفاض أسعار النفط والغاز القياسية، الأمر الذي خفف بعض المخاوف بشأن التضخم.
وارتفعت عوائد السندات في الأسابيع الأخيرة بفعل تنامي المخاوف من التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة، واحتمال ارتفاع أسعار الفائدة، إلى جانب القلق بشأن الاستدامة المالية في بعض الدول، بما في ذلك فرنسا والولايات المتحدة واليابان والمملكة المتحدة، وفق «رويترز».
وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهو المعيار القياسي لمنطقة اليورو، بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 3.364 في المائة، ليظل أقل بقليل من أعلى مستوى له في 15 عاماً عند 3.3951 في المائة، والذي سجله يوم الأربعاء.
وقال إريك ليم، استراتيجي أسعار الفائدة في «كومرتس بنك»: «تصبح عوائد السندات الألمانية أكثر حساسية لتغيرات أسعار الغاز الطبيعي مع ارتفاع أسعار الغاز».
وأغلقت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية القياسية للعقود الآجلة يوم الأربعاء عند أعلى مستوى لها منذ يناير (كانون الثاني) 2023، لكنها تراجعت قليلاً يوم الخميس بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحملة العسكرية المتجددة في إيران لن تدوم طويلاً.
كما انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 1 في المائة، بعدما سجلت أعلى مستوى لها في نحو 6 أسابيع يوم الأربعاء.
توقعات البنك المركزي الأوروبي
دفعت الزيادة في أسعار الطاقة المتداولين إلى رفع توقعاتهم بشأن اتباع البنوك المركزية العالمية، بما فيها البنك المركزي الأوروبي، سياسة نقدية أكثر تشدداً.
ويتوقع متداولو سوق المال أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 2.5 في المائة عندما يعلن قراره بشأن السياسة النقدية بعد أسبوع من يوم الخميس. كما بدأت الأسواق في تسعير وصول سعر فائدة الإيداع إلى 3 في المائة بحلول يونيو (حزيران) من العام المقبل، بما يعني رفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين بحلول منتصف عام 2027.
وانخفض عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الذي يتأثر بتغيرات توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 1.5 نقطة أساس يوم الخميس إلى 2.966 في المائة، بعدما سجَّل يوم الأربعاء أعلى مستوى له في أكثر من عامين عند 3.0115 في المائة.
تتجه أسواق الدين العالمية إلى مرحلة جديدة من ارتفاع تكلفة المال، مع صعود عوائد السندات الأميركية واليابانية والبريطانية إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات، وسط تداخل 3 ضغوط رئيسية: التضخم الذي تغذيه أسعار النفط، والعجوزات المالية المتضخمة، والاحتياجات المتصاعدة للاقتراض الحكومي. وبينما يعيد المستثمرون تسعير مخاطر الدين طويل الأجل، تمتد آثار الموجة إلى أسواق المنطقة عبر ارتفاع تكلفة التمويل السيادي والشركات؛ مما يضع اقتصادات الخليج أمام اختبار جديد تكلفة رأس المال، وإن كانت تتمتع بمصدّات مالية أقوى من كثير من الأسواق الناشئة.
وفي قراءة خاصة لـ«الشرق الأوسط»، يرى الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط في شركة «نومورا لإدارة الأصول»، طارق فضل الله، أن القفزة الأخيرة في عوائد السندات تحمل جانباً مؤقتاً مرتبطاً بالتوترات الجيوسياسية وأسعار النفط، «لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحول أعمق في أسواق الدين، مع ازدياد المخاوف من أن تصبح العوائد المرتفعة أطول استدامة بفعل العجوزات المالية المزمنة واحتياجات الاقتراض المتنامية في الاقتصادات الكبرى».
وتأتي قراءة فضل الله في وقت يواجه فيه سوق السندات العالمي موجة إعادة تسعير واسعة، مع ارتفاع عوائد الديون الحكومية الكبرى بفعل تداخل مخاوف التضخم المرتبط بارتفاع أسعار الطاقة، وتفاقم العجوزات المالية، وزيادة احتياجات الاقتراض. ففي الولايات المتحدة، اقترب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، بعدما ارتفع بأكثر من 80 نقطة أساس منذ بداية مارس (آذار)، فيما تجاوز عائد السندات لأجل 30 عاماً مستويات لم يشهدها منذ نحو 19 عاماً. وفي اليابان، تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، بينما صعد نظيره البريطاني لأجل 10 سنوات إلى 5.268 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو (حزيران) 2008.
وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر لأنها تشير إلى تغير في طريقة تسعير المخاطر في أسواق الدين، مع تركيز المستثمرين بصورة متزايدة على الآفاق المالية طويلة الأجل، وليس فقط على قرارات البنوك المركزية المقبلة. ويعني ذلك أن تكلفة الاقتراض قد تظل مرتفعة حتى في حال انحسار بعض الضغوط قصيرة الأجل، ما يضع مسار المالية العامة واستدامة الدين تحت مراقبة أكبر من جانب الأسواق.
وبينما بدأت أسواق السندات تظهر مؤشرات أولية على التهدئة الخميس، مع تراجع عائد الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.77 في المائة وانخفاض العائد الياباني مجدداً إلى ما دون 3 في المائة، فإن مستويات العوائد لا تزال مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل موجة البيع الأخيرة، ما يبقي السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الاضطرابات الأخيرة تمثل تصحيحاً مؤقتاً أم بداية تحول أعمق في تكلفة الاقتراض العالمية.
وتزامنت موجة صعود العوائد مع تصاعد الاهتمام العالمي بتكلفة الاقتراض والدين العام، اللذين برزا ضمن القضايا الاقتصادية والمالية المطروحة في إطار «مجموعة العشرين»، في ظل بحث وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية تداعيات تشدد الأوضاع التمويلية على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية. ويعكس ذلك اتساع نطاق ملف السندات، من تحركات في الأسواق إلى قضية اقتصادية ومالية أوسع، تتصل باستدامة المالية العامة، ومسار التضخم، وقدرة الاقتصادات الكبرى على تحمل أعباء الدين المتصاعدة.
كما تقاطعت هذه المخاوف مع تحذيرات «صندوق النقد الدولي» بأن ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة يرفع تكلفة الاقتراض عالمياً ويزيد الضغوط على الأسواق المالية، في وقت يقترب فيه الدين العام العالمي من 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما فقد مسار انخفاض التضخم زخمه في عدد من الاقتصادات. وتضيف صدمات الطاقة والاستثمارات المتصاعدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مصادر جديدة للضغوط على التضخم والنمو.
هل الارتفاع مؤقت أم بداية نظام جديد للعوائد؟
يرى فضل الله أن التحول الأهم في سوق السندات يتمثل في انتقال التسعير من رهانات السياسة النقدية قصيرة الأجل إلى إعادة تقييم مخاطر الاحتفاظ بالدين طويل الأجل، مع مطالبة المستثمرين بعائد أعلى مقابل مخاطر المدة والتضخم والمسار المالي.
ويبرز الدين الأميركي في قلب هذه المعادلة، بعدما تجاوز الدين الوطني للولايات المتحدة 40 تريليون دولار، وهو ما يراه فضل الله «تذكيراً واضحاً بحجم التحدي المالي الذي تواجه أكبر سوق للسندات في العالم. ومع تصدر السندات طويلة الأجل موجة البيع، فإن الأسواق تعيد تسعير ما يتعين على الحكومات دفعه لتمويل احتياجاتها، وليس فقط ما تحدده قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة قصيرة الأجل».
ولا تتوقف تداعيات هذا التحول عند أسواق الدين؛ إذ إن سندات الخزانة الأميركية تمثل معيار التسعير الأساسي لما يعرف بـ«الأصل الخالي من المخاطر»؛ مما يعني أن ارتفاع عوائدها يرفع معدل الخصم المستخدم في تقييم مجموعة واسعة من الأصول؛ من الأسهم إلى السندات السيادية وشبه السيادية حول العالم.
5 %... مستوى يضع الأسهم تحت الاختبار
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة إلى الأسهم الأميركية، مع اقتراب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، وهو مستوى ينظر إليه المستثمرون بوصفه عتبة نفسية قد تدفع بعضهم إلى إعادة توزيع محافظهم من الأصول الأعلى مخاطرة إلى السندات.
وتأتي هذه التطورات بعد موسم قوي لأرباح الشركات الأميركية؛ مما قد يحوّل اهتمام المستثمرين تدريجياً من نتائج الشركات إلى المتغيرات الاقتصادية والمالية الأوسع، وفي مقدمتها العوائد والتضخم والسياسة النقدية. ولا تزال تقييمات الأسهم مرتفعة نسبياً؛ إذ بلغ مضاعف السعر إلى الأرباح المستقبلية لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» نحو 19.7 مرة، مقارنة مع 22.2 مرة في بداية العام، لكنه لا يزال أعلى من متوسطه التاريخي البالغ نحو 16 مرة.
وبالنسبة إلى فضل الله، فإن اجتماع المخاوف المالية وارتفاع العوائد وتقييمات الأصول المرتفعة وتركيز المحافظ الاستثمارية يجعل الأسهم أمام اختبار مهم. وحتى الآن، ظل رد فعل الأسواق محدوداً نسبياً، «لكن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان المستثمرون قادرين على استيعاب ارتفاع العوائد، أم إن الضغوط ستدفع إلى تحول أوسع نحو تقليص المخاطر».
اليابان... نهاية عصر المال الرخيص؟
ولا تقتصر أهمية موجة العوائد على الولايات المتحدة وأوروبا؛ إذ يرى فضل الله أن التطور الأعمق قد يأتي من اليابان، التي لعبت على مدى نحو 3 عقود دوراً رئيسياً في توفير رأس المال منخفض التكلفة للأسواق العالمية.
ومع ارتفاع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3 في المائة، تصبح المعادلة أعقد أمام المستثمرين الذين اعتادوا الاقتراض بالين بتكلفة منخفضة وتوظيف الأموال في أصول ذات عوائد أعلى في الخارج، فيما تُعرف بـ«تجارة الفائدة» أو الـ«كاري تريد».
ويحذر فضل الله بأن «حقبة العوائد اليابانية القريبة من الصفر ربما تقترب من نهايتها؛ مما قد يغير اتجاهات تدفقات رأس المال العالمية. فارتفاع العائد المحلي في اليابان يمكن أن يجعل الاحتفاظ بالأصول اليابانية أعلى جاذبية، ويقلل في المقابل من جاذبية الاقتراض بالين لتمويل الاستثمارات في الأسواق الخارجية».
الخليج أمام تكلفة مال أعلى... لكن بهوامش أمان
وتنعكس هذه التطورات «بصورة مباشرة» على اقتصادات الخليج، نظراً إلى ارتباط معظم عملات المنطقة بالدولار؛ مما يعني انتقال أثر ارتفاع العوائد الأميركية إلى تكلفة الاقتراض السيادي والشركات، سواء في الأسواق المحلية أو عند إصدار أدوات الدين الدولية. ويشير فضل الله إلى أن ذلك يرفع تكلفة تمويل المشروعات وإعادة تمويل الديون القائمة، «لكنه لا يلغي قدرة دول المنطقة على مواصلة خطط الاستثمار والتنويع الاقتصادي، في ظل ما تتمتع به من إيرادات نفطية ومصدّات مالية ومراكز سيادية متينة».
ولا يعني ارتفاع تكلفة التمويل بالضرورة تراجع الاستثمارات الخليجية، «لكنه سيجعل كفاءة تخصيص رأس المال والعائد الاقتصادي للمشروعات أكبر أهمية، مع توجيه الأولوية إلى الاستثمارات القادرة على تحقيق عوائد مستدامة، مستفيدةً من قوة الموازنات والمراكز السيادية التي تمنح دول المنطقة مساحة أوسع للمناورة».
هل تنحسر موجة العوائد؟
ورغم التحول الهيكلي في بعض محركات سوق السندات، فإن فضل الله لا يرى أن ارتفاع العوائد محكوم بالاستمرار في اتجاه واحد. ويشير إلى أن أسرع سيناريو يمكن أن يعكس الموجة الحالية «يتمثل في انحسار التوترات الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط، بما يخفف علاوة المخاطر ويعيد تهدئة توقعات التضخم».
كما «يمكن لهبوط حاد في أسواق الأسهم، أو ظهور بيانات تؤكد عودة التضخم إلى مسار هبوطي واضح، أو لتدخل منسق من البنوك المركزية»، أن «يدفع المستثمرين مجدداً نحو السندات ويضغط على العوائد إلى الأسفل».
لكن الخطر الأكبر، وفق فضل الله، يتمثل في أن تصبح العجوزات المالية المرتفعة واحتياجات الاقتراض المتصاعدة واقعاً دائماً، «بما يعني أن الأسواق قد تضطر إلى التعايش مع (عائد أعلى لمدة أطول)؛ ليس فقط بسبب السياسة النقدية، وإنما أيضاً لأن المستثمرين سيطالبون بعائد أكبر مقابل تمويل حكومات مثقلة بالدين».
وبذلك، قد لا تكون موجة البيع الحالية مجرد حلقة مؤقتة في دورة أسعار الفائدة، بل بداية إعادة تسعير أوسع لتكلفة رأس المال العالمي؛ وهي معادلة ستفرض نفسها على الأسهم والسندات والاستثمار، وعلى الاقتصادات الخليجية التي تدخل هذه المرحلة من موقع أشد قوة، لكن ليس بمعزل عن ارتفاع تكلفة المال عالمياً.
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية
Likely · Within weeks
Open Questions
- هل يستمر انخفاض أسعار النفط والغاز؟
- كيف سيحدد البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة؟






