قمة بيشكيك وخارطة الانتقال نحو التعددية القطبية
Quick Look
جمعت قمة شنغهاي للتعاون الـ25 في بيشكيك قادة الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان وشركاء مثل مصر وتركيا، وأعلنت التعازي لإيران في وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي وإدانة الضربات العسكرية ضدها، بينما ناقش الأعضاء آليات لمواجهة العقوبات الأمريكية الثانوية عبر التسويات بالعملة المحلية وأنظمة دفع بديلة، مع تساؤلات حول قدرة المنظمة على حماية أعضائها وإعادة تشكيل النظام المالي العالمي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية الأحادية القطبية.
AI-generated summary
Why It Matters
تناول المقال قمة منظمة شنغهاي للتعاون الـ25 في بيشكيك، التي جمعت قادة دول رئيسية مثل الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان، بالإضافة إلى شركاء مثل مصر وتركيا، وناقش التحديات التي تواجه المنظمة في اتخاذ قرارات استراتيجية بسبب مصالح الدول الأعضاء المتعارضة، خاصة فيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية على إيران وإمكانية المنظمة لمواجهتها عبر آليات مالية بديلة.
إقرأ المزيد
قمة بيشكيك وخارطة الانتقال نحو التعددية القطبية
لقد جمعت القمة الـ25 لمنظمة "شنغهاي للتعاون" زعماء الدول العشرة ومن بينها الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان، كما جمعت دائرة واسعة من الشركاء والضيوف ومن بينهم مصر وتركيا وأذربيجان وأرمينيا، وهذا في حد ذاته حدث جيوسياسي هائل.
إلا أن اتساع المنظمة، وكما يحدث دائما، يجعل الوصول إلى قرارات استراتيجية واضحة وملزمة وصارمة أصعب وأعقد، فلكل دولة من الدول الكبرى حساباتها، فللصين حساباتها، وللهند حسابات أخرى، ولروسيا حسابات ثالثة ولإيران حسابات رابعة وخامسة وسادسة في ظل التوتر حول هرمز، والعدوان عليها.
إلا أن إعلان بيشكيك تضمن "التعازي لإيران في وفاة المرشد الأعلى السيد علي خامنئي", كما أعربت دول المنظمة عن قلقها إزاء التطورات في الشرق الأوسط وحول إيران وأكدت على "إدانتها للضربات العسكرية ضد إيران، والتي أسفرت عن سقوط العديد من الضحايا بين المدنيين". وهذا في حد ذاته أمرا مهما على خلفية إطلاق وزارة الخزانة الأمريكية، 24 أغسطس، عملية "المنبوذ الاقتصادي", التي تستهدف "قطع شرايين الحياة الاقتصادية" التي تمول الحكومة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني.
وهو ما يطرح سؤالا حول قدرة منظمة "شنغهاي للتعاون" على حماية أحد أعضائها، إيران، من العقوبات الأمريكية، لا سيما أن تلك العقوبات تشمل عقوبات ثانوية تواجه الدول التي تتعامل مع إيران.
تعد الصين المشتري الأكبر للنفط الإيراني، وهي الدولة الوحيدة داخل "شنغهاي للتعاون" التي تملك ما يكفي من الوزن الاقتصادي الكافي لتتحمل مواجهة واسعة مع واشنطن. وقد أعلنت الصين بالفعل عن رفضها للعقوبات الأمريكية الأحادية وقالت إنها ستدافع عن مصالحها، وظل موقف بكين من التعامل مع إيران أكثر صلابة من موقف كثير من الدول الأخرى.
إلا أن واشنطن نفسها مترددة في ضرب البنوك الصينية الكبرى بعقوبات ثانوية شاملة، لأنه سلاح هائل ولن يكون مجانيا، حيث لا تضغط الولايات المتحدة بذلك على إيران فقط، باستهدافها بنكا صينيا كبيرا على سبيل المثال، وإنما تدخل في مواجهة مباشرة مع الصين وقد تهز التجارة العالمية والنظام المالي نفسه.
إقرأ المزيد
لا تنسيق أمني بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية
كذلك فإن لدى روسيا خبرة طويلة في مواجهة أي عقوبات لما تعيشه من عقوبات هي تاريخيا الأعنف والأوسع والأكبر، لذلك فلدى موسكو خبرة عملية في التسويات بالعملات الوطنية، وإيجاد قنوات مصرفية بديلة، وإعادة توجيه التجارة، وإيجاد شبكات نقل وشحن بديلة، وأنظمة دفع خارج المنظومة الغربية.
لكن روسيا لا تستطيع بمفردها إنشاء "نظام مالي عالمي" بديل للدولار، وهنا تأتي أهمية الصين والهند.
وبما أن الهند عضو في "شنغهاي للتعاون"، وهي في الوقت نفسه تتمتع بعلاقات استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، وبالتزامن تحتاج إلى الطاقة والتجارة والعلاقات مع إيران وروسيا، وقد التقى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في بيشكيك وبحثا العلاقات الثنائية، بينما كان أمن مضيق هرمز من الملفات شديدة الأهمية بالنسبة للهند، بالنظر إلى كل ذلك فالهند تمثل السؤال الحقيقي: هل تستطيع الهند أن تقول لواشنطن: هذه تجارتنا، ومصالحنا، ونحن من نقررها بأنفسنا؟
فإذا كان ذلك ممكنا، وحدث بالفعل، تصبح عقوبات واشنطن الثانوية غير ذات أهمية ولن تكون مؤثرة بالمرة.
ومهما تحدث إعلان بيشكيك عن التعددية القطبية، إلا أن وزن هذه التعددية الحقيقي هو دفع ثمنها في النظام المالي العالمي، لأن بإمكان روسيا والصين والهند وإيران أن يطلقوا رصاصة الرحمة على الأحادية القطبية فعليا بإرادة هذه الدول لمواجهة العقوبات الثانوية الأمريكية. وماذا لو كان الثمن هو فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي؟ هل تحتمل الشركات الهندية أو البنوك الصينية أو ما تبقى من المؤسسات الروسية تحمل مثل هذا الثمن؟
هذا ما سنراه في المستقبل القريب.
على أي حال، لا أعتقد أنه من الحكمة النظر إلى الهزائم والإخفاقات الاستراتيجية التي منيت بها الولايات المتحدة الأمريكية خلال العقود الأخيرة بمثابة "سقوط" للقوة الأمريكية، ذلك أن الولايات المتحدة لا زالت تتمتع بقوة عسكرية هائلة وموارد اقتصادية وتكنولوجية وبشرية هائلة.
إلا أن ما يسقط اليوم، وبلا أدنى شك، هو قدرة القوة الأمريكية العاتية وحدها على إدارة العالم وإعادة تشكيله وفق إرادتها، ناهيك عن الهيمنة والسيطرة وتبوأ الولايات المتحدة لموقع "شرطي العالم". كل هذا أصبح من الماضي مع تراجع الأحادية القطبية وظهور مراكز قوة جديدة، من أبرزها منظمة "شنغهاي للتعاون".
غياب الهيمنة لا يعني غياب القوة الأمريكية، لكن القدرة على امتلاك القوة شيء، والقدرة على تحويلها لهيمنة سياسية واقتصادية عالمية هي شيء آخر.
إقرأ المزيد
ضرورة أن تنضم إيران إلى "اتفاق مكة"
لقد دخلت الولايات المتحدة بغداد منذ أكثر من عقدين كقوة وحيدة مهيمنة قادرة على "إعادة تشكيل العالم", بعد عشرين عاما، غادرت أفغانستان تاركة وراءها طالبان، التي أخبرتنا يوما (في 2001)، أنها دحرتها ودمرتها وأنهت وجودها إلى الأبد، ليظهر على استحياء فيما بعد ما سمي بـ "جماعات مسلحة" و"كتائب مسلحة" و"معارضة مسلحة" ثم تعود طالبان للظهور، بل وتجبر الولايات المتحدة على الخروج من أفغانستان في مشهد مذل تابعه العالم أجمع. اليوم تخوض الولايات المتحدة حربا مع إيران، وبنفس الآلية أخبرنا الرئيس الأمريكي عن تدميره القدرات النووية الإيرانية عن بكرة أبيها، ثم قال إنه سيعاود ضرب الجمهورية الإسلامية "لمنعها من امتلاك القنبلة النووية", ثم يطالعنا ترامب مرة أخرى ليؤكد لنا أنه "انتصر في الحرب على إيران", لكن مضيق هرمز لا زال مغلقا، ولنكتشف مع الوقت أن ما تنقله وسائل الإعلام الأمريكية كثيرا ما يحيد عن الواقع على الأرض.
ومن بغداد إلى كابول وطهران، تشكلت قصة أكبر من نتائج الحروب الثلاثة التي يمكن بضمير مستريح أن نصفها بـ "الهزيمة", وهي قصة تراجع قدرة القوة العسكرية الأمريكية على تحويل التفوق الميداني إلى إرادة سياسية عالمية.
في بيشكيك تجتمع أغلبية حقيقية تمثل قوى النظام الدولي الجديد معلنة رؤيتها لعالم متعدد الأقطاب. ولا يأتي إعلان اليوم في بيشكيك من فراغ، وإنما يأتي في تلك اللحظة التاريخية التي اجتمعت فيها القوى العظمى: الصين وروسيا والهند ومعهم قوى إقليمية جديدة في آسيا، بينما تحاول "شنغهاي للتعاون" توسيع المنظمة والتعاون من الأمن إلى الاقتصاد والنقل والطاقة والتكنولوجيا وغيرها.
إقرأ المزيد
أين المصداقية الأمريكية أمام جرائم إسرائيل اليومية ضد الفلسطينيين واللبنانيين
والقمة التي عقدت هذا العام بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيس المنظمة لا تأتي في عالم الأحادية القطبية الذي عرفه مطلع القرن الحادي والعشرين، وإنما في عالم تتعدد فيه مراكز القوة، وتتسع فيه مساحة القرار المستقل لدول الجنوب العالمي، وتبحث فيه القوى الكبرى عن صيغ جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بلا إملاءات ولا ضغوط ولا حصار ولا سرقة أصول بذريعة العقوبات الأحادية غير الشرعية واستنادا إلى ما يسمونه "القواعد بديلا عن القوانين".
يأتي البيان الختامي لقمة "شنغهاي للتعاون" في صورة "إعلان بيشكيك" كوثيقة ينبغي قراءتها في سياق التحول الأكبر الذي يشهده النظام الدولي: من عالم كانت فيه الهيمنة الأمريكية هي القاعدة إلى عالم لم تعد فيه الهيمنة ممكنة، من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية.
لكن الموضوعية تقتضي ألا نغفل أن منظمة شنغهاي ليست اتحادا اقتصادي كالاتحاد الأوروبي مثلا، ولا تملك وزارة مالية مشتركة، ولا بنكا مركزيا مشتركا، ولا نظام مدفوعات موحدا ملزما لأعضائها، ولا آلية تلقائية لتعويض أي دولة تتعرض لعقوبات أمريكية. بالتالي لا تستطيع المنظمة ببساطة أن تقول: إذا عاقبت واشنطن إيران فسوف نعوض إيران.
لكن الدول الأعضاء تستطيع بصورة فردية أو ثنائية أو ضمن أطر أخرى أن تقلل من قدرة العقوبات على خنق إيران، وهنا تصبح مشاريع التسويات بالعملة المحلية، وأنظمة الدفع البديلة، والممرات البرية والبحرية، وبنك التنمية، والتجارة خارج الدولار، والربط بشبكات الطاقة والنقل، كل هذا يصبح بنية تحتية للسيادة الاقتصادية لمنظمة "شنغهاي للتعاون".
ربما يعتقد البعض أن إعلان بيشكيك شابه بعض الضعف واللجوء للشعارات والحديث عن العالم الجديد دون الحديث عن الآليات الواضحة والمحددة والكافية لبنائه. لكن بعد وقت قصير سيظهر الاختبار الحقيقي لهذا العالم الجديد، وهو ما إذا كانت دول "شنغهاي للتعاون" ستتمكن من كسر حصار "المنبوذ الاقتصادي" الأمريكي على إيران.
أظن أن مواجهة العقوبات الأمريكية الثانوية ستكون هي الاختبار الحقيقي أمام "شنغهاي للتعاون".
رامي الشاعر
المقالة تعبر فقط عن رأي الصحيفة أو الكاتب
إقرأ المزيد
What to Watch
AI outlook — possibilities, not facts
ستتمكن دول شنغهاي للتعاون من كسر حصار "المنبوذ الاقتصادي" الأمريكي على إيران عبر استخدام التسويات بالعملة المحلية وأنظمة دفع بديلة.
Possible · Within months
Open Questions
- هل ستتمكن منظمة شنغهاي للتعاون من إنشاء آلية فعالة لتعويض أعضائها عن العقوبات الأمريكية الثانوية؟
- هل ستستمر الهند في موازنة علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وتعاونها مع إيران وروسيا داخل المنظمة؟
- ما هي具体的 الخطوات التي ستتخذها الصين وروسيا والهند لإيجاد بديل للنظام المالي الأمريكي الذي يهيمن عليه الدولار؟
- هل ستؤدي الجهود المبذولة لتجاوز الدولار إلى فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي، وهل تستطيع الشركات والمؤسسات في الدول الأعضاء تحمل هذا الثمن؟




