حدث كارينغتون: قصة أعنف عاصفة شمسية ضربت الأرض في التاريخ الحديث
كيف تسببت ومضات شمسية رصدها فلكي بريطاني عام 1859 في شلل أنظمة التلغراف وإشعال الحرائق؟
Quick Look
في عام 1859، رصد الفلكي ريتشارد كارينغتون أول توهج شمسي مسببا أعنف عاصفة مغناطيسية أرضية في التاريخ، حيث تعطلت خطوط التلغراف وظهر الشفق القطبي في مناطق غير معتادة، مما يطرح تساؤلات حول تأثير عاصفة مماثلة على العالم الحديث.
AI-generated summary
Why It Matters
في عام 1859، شهدت الأرض أكبر عاصفة مغناطيسية أرضية مسجلة نتيجة انبعاث كتلي إكليلي من الشمس، مما أدى إلى تعطل أنظمة التلغراف العالمية.
في صباح ذلك اليوم، كان الفلكي البريطاني ريتشارد كارينغتون في مرصده الخاص بالقرب من بلدة ريد هيل، بمقاطعة سري بجنوب شرق إنجلترا. كان منكبا على رسم مجموعة كبيرة من البقع الشمسية. في تمام الساعة 11:18 صباحا بالتوقيت المحلي، شهد حدثا غير مسبوق تمثل في ظهور نقطتين ساطعتين من الضوء الأبيض المبهر على قرص الشمس. اشتدّت بقع الضوء الأبيض بسرعة لتتخذ شكل الكلية قبل أن تبدأ بالتلاشي. استمر الحدث بأكمله حوالي خمس دقائق فقط.
كان كارينغتون قد شهد للتو حدثا فريدا هو أول توهج شمسي مُسجّل. بطبيعة الحال، لم يكن لديه أدنى فكرة أن هذه الومضات المبهرة ستكون نقطة انطلاق أقوى ضربة شمسية على الأرض، والتي ستُعرف لاحقا باسم حدث كارينغتون.
بعد ثماني عشرة ساعة فقط، وفي هزة هائلة بمعايير كونية، اهتز الغلاف الجوي للأرض بفعل سيل من الجسيمات المشحونة، وتحول الكوكب فيه إلى ما يشبه المصباح العملاق. بدأت خطوط التلغراف حول العالم تُصدر شرارات، واشتعلت الأوراق، وتلقى المشغلون -الذين كانوا يعملون بهدوء كما العادة في مكاتبهم- صدمات كهربائية، واستنشقوا رائحة احتراق العوازل، وتفاجأوا بأن النظام المألوف قد انهار فجأة.
تخيلوا لوهلة ماذا لو هبت عاصفة عاتية مماثلة في الوقت الحالي، فيما العالم معلق تماما بخيوط شبكات الكهرباء وأنظمة الأقمار الصناعية والاتصالات الرقمية. ماذا لو وجد مليارات من البشر أنفسهم في ظلام دامس وصمت رهيب، وبدوا مثل غرباء على حضارة اعتادت على هدير المعلومات المتواصل؟
من 28 أغسطس إلى 3 سبتمبر عام 1859، رُصدت بقع شمسية وتوهجات عديدة على سطح الشمس. حوالي منتصف نهار الأول من سبتمبر، رصد كارينغتون توهجا شديد السطوع، أدى إلى انبعاث كتلي إكليلي كبير، وهو عبارة عن ثوران لمواد من الهالة النجمية. بعبارة أخرى، سحب ضخمة من الجسيمات المشحونة والرياح الشمسية.
اندفعت هذه "النبضة" نحو الأرض ووصلت إليها في غضون 17 إلى 18 ساعة، وهي سرعة فائقة وفقا للمعايير الكونية. عادة ما يستغرق مثل هذا الأمر عدة أيام، إلا أن العلماء يعتقدون أن مسار الرياح الشمسية قد مُهّد بفعل نشاط شمسي سابق.
في هذا اليوم، بدأت أكبر عاصفة مغناطيسية أرضية مسجلة على الإطلاق. تسببت هذه العاصفة في تعطل أنظمة التلغراف في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية. شوهدت أضواء الشفق القطبي في جميع أنحاء العالم، حتى فوق منطقة البحر الكاريبي، وفوق جبال روكي بغرب أمريكا الشمالية، كانت شديدة السطوع لدرجة أن توهجها أيقظ عمال مناجم الذهب الذين بدأوا في إعداد وجبة الإفطار، ظنا منهم أن الصباح قد حلّ. بحلول الثالث من سبتمبر، توقف ظهور أضواء الشفق القطبي، وعادت الأمور تدريجيا إلى طبيعتها.
بالنسبة للأضرار التي تعرضت لها وقتها أنظمة التلغراف، فقد سُجل تطاير شرارات من الأجهزة، وتعرض بعض مشغلي التلغراف لصدمات كهربائية، كما وردت تقارير عن حرائق في محطات التلغراف، وتضررت أبراجها بشدة من الجهد الكهربائي. المفارقة أن بعض المشغلين تمكنوا من مواصلة العمل حتى بعد انقطاع التيار الكهربائي، إذ أن التوهج الشمسي وفر طاقة كافية لمواصلة بعث الرسائل.
علاوة على ذلك، تجاوزت قراءات الأجهزة المغناطيسية في المراصد معدلاتها الطبيعية، وسجّلت ارتفاعات وانخفاضات في النشاط المغناطيسي. اعتقد البعض في أن هذه الظاهرة كانت بداية نهاية العالم.
يعتقد بعض الباحثين أن ظاهرة كارينغتون ربما نجمت عن اصطدام الأرض بكتلتين من البلازما الإكليلية المنبعثة من الشمس أثناء التوهجات.
لا يزال "حدث كارينغتون"، الذي يعد الأقوى على الإطلاق، بمثابة مؤشر على القوة التدميرية الكامنة للظواهر الجوية الفضائية المتطرفة على التكنولوجيا الحديثة، وقد أصبح الحدث معيارا تُقاس به جميع التهديدات الحديثة للطقس الفضائي.
Open Questions
- كيف ستتأثر شبكات الاتصالات الحديثة لو وقعت عاصفة مماثلة اليوم؟
